خلاصة محتوى الروايات
نجد في الروايات الانفة:
انّ هشام بن حكيم قرأ سورة الفرقان على حروف تخالف قراءة عمر بن الخطاب.
وأنّ ابن مسعود وإثنين آخرين اختلفت قراءاتهم لسورة الاحقاف.
وفي رواية: في سورة (حم).
وأنّ أُبيّا اختلفت قراءته مع ابن مسعود في آيات من القرآن.
وأنّه ـ أيضا ـ اختلفت قراءته مع قراءتين لرجلين آخرين في سورة النَّحل.
وأنّ عمرو بن العاص اختلفت قراءته لاية مع قراءة رجل آخر.
وأنّهم جميعا تحاكموا إلى الرسول (ص)، وأنّه استقرأ كلّ واحد منهم على حدة، وقال لكلّ واحد حين قرأ ما يخالف الاخر: أحسنت أو أصبت، هكذا نزلت السورة أو الاية.
وأنّه وقع في صدر عمر شيء من ذلك، فضرب الرسول (ص) صدره، وقال ثلاثا: أبعد شيطانا!
وأنّه دخل في نفس أُبيّ من الشكّ والتكذيب للنبوّة أشدّ ممّا كان في الجاهلية، وأنّ الرسول ضرب صدره ـ أيضا ـ وقال له: أعاذك اللّه من الشّكّ وأخسأ عنك الشيطان.
ورووا في بيان ذلك:
أنّ جبريل قعد عن يمين الرسول (ص) وميكائيل عن يساره، فقال له جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل:
استزده، استزده حتّى بلغ سبعة أحرف، كلّها شافٍ كافٍ.
وفي رواية:
لقي رسول اللّه (ص) جبريل عند أحجار المراي، فقال: يا جبريل! إنِّي بعثت إلى أُمّة أُمّيين، منهم العجوز والشيخ الكبير و...
والرجل الّذي لم يقرأ كتابا قط، فقال: يا محمّد! إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
وفي رواية:
أنّ جبريل أتى رسول اللّه (ص) في اضاءة بني غفار، وقال له: إنّ اللّه يأمرك أن تُقرئ أُمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرأوا عليه، فقد أصابوا.
وفي رواية أنّ جبريل قال لرسول اللّه (ص):
إنّ أُمّتك يقرأون على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف، فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه... فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه.
وفي رواية: أنّ الرسول (ص) قال:
أُنزل القرآن على سبعة أحرف، من سبعة أبواب الجنّة، كلّها شافٍ، فاقرأوا ما تيسر منه، وأيّ ذلك قرأتم فقد أحسنتم، فقد أصبتم.
وقال: أيّ حرف قرأوا أصابوا.
وقال لبعضهم: أيّ حرف قرأت أجزأك، وأيّما قرأت أصبت، ليس منها إلاّشافٍ كافٍ، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب.
وفي رواية، قال:
ان قلت: غفورا رحيما، أو سميعا عليما، أو عليما سميعا، فاللّه كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال وأقبل وهلمّ، واذهب وأسرع وعجّل.
وفي رواية أبي هريرة:
أُنزل القرآن على سبعة أحرف: عليما حكيما، غفورا رحيما.
وفي رواية الصحابيين عمرو بن العاص وأبي جهيم واللفظ للاوّل:
أنّ الرسول (ص) قال:
ولا تماروا فيه، فإنّ المراء فيه كفر أو آية الكفر.
وفي رواية ابن مسعود:
أنّ الرسول أقرأه سورة (حم) وسمع رجلا في المسجد يقرأ حروفا لايقرأها، فانطلقا إلى رسول اللّه (ص)، وقال ابن مسعود للرسول (ص): اختلفنا في قراءتنا، فتغيّر وجهه، ووجد في نفسه، وقال: أهلك من قبلكم الا ختلاف.
وأسرّ إلى عليّ، فقال عليّ: إنّ الرسول يأمركم أن يقرأ كلّ رجل منكم كما عُلِّم، فانطلقا وكلّ واحد منهم يقرأ حروفا لايقرأها صاحبه.
وفي رواية، قال ابن مسعود:
من قرأ على شيء من تلك الحروف الّتي علّم رسول اللّه (ص) فلا يدعه رغبة عنه، فإنّ من يجحد بآية منه جحد به كلّه. فإنّما هو كقول أحدكم لصاحبه: أعجل وحيّ هلا.
مغزى هذه الروايات
إنّ هؤلاء الرواة قالوا: لك أن تبدّل كلام اللّه بكلامك لو شئت بمحض رغبتك! لا حرج عليك في ذلك! لانّ اللّه ورسوله قد أذنا للنّاس، كلّ النّاس أن يحرّفوا القرآن كلّ القرآن، على أن يحتفظوا بأمرين:
1 ـ ألاّ يزيد عدد التحريف في الكلمة الواحدة على سبعة أنواع من التحريف!
2 ـ ألاّ يتبدّل بالتحريف آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب، وألاّ يتبدّل الحلال بالحرام ولا الحرام بالحلال!
وهنا يرد سؤال، وهو:
هل تجرّأ أحد من المسلمين على ذلك وفعله!؟
هذا ما سنفهمه ـ إن شاء اللّه ـ في بحث القراءات.
والّذي ينبغي أن نقوله هنا:
إنّه لم يسمع عن كاتب أو شاعر من البشر في غابر الدهر ولا حاضره أن يكون قد سمح للناس كلّ الناس أن يغيّروا من لفظه ما شاؤوا كما شاؤوا بشرط أن يحافظوا ـ مثلا ـ على المدح كي لايتبدّل بالذمّ وعلى الذمّ كي لايتبدّل بالمدح، بل الّذي شاهدناه في عصرنا أنّهم يحاسبون أصحاب المطابع عن الخطأ في نسخ كلمة بدل أُخرى إلاّ أن يكون الكاتب أو الشاعر خَرِفا لايعي ما يقول وما يصنع مع قوله.
هكذا شأن البشر في ما يخصّ انتاجهم شعرا كان أو نثرا موزونا كان النثر أو غير موزون.
أما شأن كلام اللّه: القرآن فهو موزون في جميع جوانبه:
موزون في إيراد المعاني في السور!
موزون في التعبير اللفظي في الايات!
موزون في إيراد الكلمة في الجمل!
موزون في إيراد الحروف في كلّ ذلك!
ويفسد كلّ تلك الاوزان تبديل كلمة واحدة منها بغيرها.
هكذا شأن القرآن كلام اللّه المجيد، بل إنّ شأنه أعظم من هذا وأعظم.
وأمّا شأن تلكم الروايات المصرحة أنّ اللّه قد رضي بأن يبدل البشر كلامه، وأنّ رسوله بلَّغ أصحابه بذلك، فسندرسه ـ بإذنه تعالى ـ بعد إيراد أقوال العلماء في توجيه تلكم الروايات في ما يأتي: