قصّتي مع المبشر المسيحي في بغداد
كانت صبيحة يوم جمعة من أيّام شبابي أبّان الحرب العالمية الثانية حين اقتحمت ناديا للتبشير المسيحي بشارع المتنبي في بغداد، وجلست إلى جنب منصّة المبشّر، ولما اكتضّ النادي بالشباب المسلم الّذي كان يرتاد النادي لقراءة الصحف اليوميّة المعدّة هناك للمطالعة، أو بالاحرى لاصطياد الشباب المسلم بتلك الوسيلة.
بدأ المبشر عند ذاك بقراءة شيء من التوراة واستشهد به على ما رامه من التبشير، فأخذت منه زمام المبادرة وبدأت بسرد ما كنت أحفظ من أساطير التوراة المحرّفة، مثل أُسطورة خلق آدم وحواء وكيف خدعهم اللّه ـ معاذ اللّه ـ وكشف الحيّة لهم عن الخدعة وبصّرتهم.
وأُسطورة مصارعة اللّه ليعقوب، إلى الصباح، وأنّه لمّا ظهرت الغلبة ليعقوب ـ معاذ اللّه ـ منحه اللّه لقب إسرائيل، فكفّ عنه يعقوب.
وكيف زنى لوط بابنتيه وداود بزوجة أوريا ـ معاذ اللّه ـ.
إلى أمثالها من أساطير أُخرى مع تعليقي على كل منها بما يثير الضحك للحاضرين والاسى والغضب للمبشّر. وحاول المبشر أكثر من مرّة أن ينهي الجلسة قبل أوانها وكنت أمتنع عليه ويساعدني على ذلك الحاضرون. وأخيرا أردت أن أختم الجلسة بأخذ اعتراف من المبشر على تحريف العهدين: التوراة والانجيل، فوجهت إليه الاسئلة الاتية:
على من نزلت التوراة على حدّ زعمك؟
فإن قلت: نزلت على موسى بن عمران (ع) قلت لك: إنّ في التوراة حكاية وفاته ودفنه وما جرى على بني إسرائيل من بعده.
وإن قلت نزلت على داود أو سليمان أو أي نبي آخر من أنبياء بني إسرائيل، قلت لك: في التوراة حكاية وفاته ودفنه وما جرى على بني إسرائيل من بعده.
فقال: في التوراة كلام اللّه وكلام الكهنة.
فقلت له: هذا هو معنى التحريف لكتاب اللّه!
وأنّى لنا التمييز بين كلام اللّه وكلام الكهنة؟
فانبرى يقول لي بحماس: وإنّ في علمائكم من كتب كتابا في تحريف القرآن.
فقلت في ما قلت له: أنا احتججت عليك بنفس التوراة ولا أستند إلى تقولات المتقولين على التوراة والانجيل. وإذا استندنا في هذا الشأن إلى القرآن وحده وجدناه يقول:
(وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ).(البقرة/23)
ويقول: (وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِن دُونِ اللّهِ).
ويقول: (وَلَنْ تَفْعَلُوا).
ويقول: (قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الا ِ نْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا).(الاسراء / 88)
ولو كان في القرآن كلامُ غير اللّه إذا، فإنّ غير اللّه قادر على أن يأتي بمثل القرآن. فأتوا يا خصوم الاسلام بسورة واحدة مثل سورة (التوحيد)، أو (والعصر) ممّا لايزيد على سطر واحد. وبعد ذلك يخضع لقولكم جميع المسلمين.
وأدليت بحجج أُخرى فلم يحرِ جوابا. وانتهت الجلسة بانتصار الخط الاسلامي والحمد للّه.
وجرى لي بعد ذلك محاورة مع تلميذ الشيخ النوري كالاتي: