محاولة العلماء رفع تناقض الروايات بعضها مع بعض

يظهر للباحث بوضوح تناقض الروايات الانفة في من جمع القرآن من الخلفاء أوّل مرّة، هل أمر بذلك الخليفة أبو بكر؟ أو الخليفة عمر؟ أو الخليفة عثمان؟

ومن كان المملي والكاتب في عصر كلّ منهم؟ ومن أيّ السورتين: الاحزاب أم براءة افتقدوا آية أو آيتين؟

وقد انتبه العلماء منذ قرون طويلة إلى ما أشرنا إليه من تناقض روايات جمع القرآن بعضها مع بعض، فقد قال ابن العربي في شرح سنن الترمذي(24):

(من غريب المعاني أنّ القاضي أبا بكر بن الطيب، سيف السنّة ولسان الاُمّة، تكلّم بجهالات على هذا الحديث، لاتشبه منصبه، فانتصبنا لها لنوقفكم على الحقيقة فيها).

هكذا بدأ الكلام ابن العربي ، ونذكر في ما يأتي موردين من كلام ابن الطيب وجواب ابن العربي:

أوّلها ـ (قال القاضي ابن الطيب(25): هذا حديث مضطرب. وذكر فيه اختلاف روايات فيه، منها صحيحة ومنها باطلة، فأمّا الروايات الباطلة فلا نشتغل بها).

قال المؤلّف:

قصد ابن الطيب من الروايات الصحيحة: ما جاء منها في صحيح البخاري، ومن الروايات الباطلة: ما جاء في غيره.

وهكذا رمى ابن الطيب جملة ما جاء في غير صحيح البخاري من الحديث بالبطلان، ولم أر مثل هذه الجرأة عند غيره من علماء المسلمين: أن يرمي أحدهم بالبطلان جملة ما لم يذكر في غير صحيح البخاري من حديث.

قال ابن العربي:

أما الصحيحة، فمنها أنّه قال:

(روى أنّ هذا جرى في عهد أبي بكر. وفي رواية أنّه جرى في عهد عثمان، وبين التاريخين كثير من المدّة. وكيف يصحّ أن نقول: هذا كان في عهد أبي بكر، ثمّ نقول: كان هذا في عهد عثمان ولو اختلف تاريخ الحديث في يوم من أوّله وآخره لوجب ردّه. فكيف أن

يختلف بين هاتين المدّتين الطويلتين؟

قال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال للسيف: هذه كهمة(26). من طول الضراب!

هذا أمر لم يخف وجه الحقّ فيه، إنّما جمع زيد القرآن مرّتين: إحداهما لابي بكر في زمانه، والثانية لعثمان في زمانه.

أمّا الاوّل فكان لئلاّ يذهب القرآن بذهاب القرّاء... وأمّا جمعه في زمان عثمان، فكان لاجل الاختلاف الواقع بين الناس في القراءة، فجمع في المصاحف ليرسل إلى الافاق حتّى يرفع الاختلاف...).

قال المؤلّف:

يبقى سؤال يوجّه إلى ابن العربي وهو:

إذا كان القرآن قد جمع على عهد أبي بكر، وافتقدوا يومئذ آخر سورة التوبة ووجدوها عند ابن خزيمة، وانتهى بذلك كتابة المصحف، وكان عند أبي بكر ثمّ عمر، ثمّ أخذ عثمان المصحف من حفصة واستنسخه.

فكيف إذا فقدوا آية من الاحزاب، ووجدوها عند خزيمة بن ثابت الانصاري؟!

والمورد الثاني ممّا نذكر من كلامهما ما يأتي، قال ابن العربي:

(قال ابن الطيب يشبه أن يكون هذا الخبر موضوعا، لانّه قال فيه أنّ زيدا وجد الضائع من القرآن عند رجلين، وهذا بعيد، أن يكون اللّه قد وكّل حفظ ما سقط وذهب من الاجلة الاماثل من القرآن برجلين: ابن خزيمة وأبي خزيمة.

قال القاضي(27): قد بيّنا أنّه يجوز أن ينسى الرجل الشي‌ء، ثمّ يذكره له آخر، فيعود علمه إليه، وليس في نسيان الصحابة كلّهم إلاّ رجلا واحدا استحالة عقلا، لانّ ذلك جائز، ولا شرعا، لانّ اللّه ضمن حفظه، ومن حفظه البديع أن تذهب منه آية أو سورة إلاّ عن واحد فيذكره ذلك الواحد، فيتذكره الجميع، فيكون ذلك من بديع حفظ اللّه لها، يقال له ـ أيضا ـ هذا حديث صحيح متّفق عليه من الائمّة. فكيف تدّعي عليه الوضع، وقد رواه العدل عن العدل وتدّعي فيه الاضطراب وهو في سلك الصواب منتظم.

وتقول أُخرى إنّه من أخبار الاحاد وما الّذي تضمّن من الاستحالة أو الجهالة حتّى أنّه خبر واحد).

قال المؤلّف:

قصد ابن العربي بقوله: (رواه العدل عن العدل) رواية البخاري الروايتين عن شيوخه.

وإنّ ابن العربي في قوله هذا اجتهد في طلب الخير دفعا عن حديثين في صحيح البخاري وحفظا لكرامة صحيح البخاري مع التضحية بكرامة القرآن.

وإنّ ابن الطيب كان قد اجتهد، وطلب الخير، وضحى بحديثين في صحيح البخاري حفظا لكرامة القرآن كما يظهر من كلامه الطيب الاتي في آخر البحث إن شاء اللّه تعالى.

ولمناقشة كلام ابن العربي، نضرب مثلا بألفية ابن مالك(28) الّتي مضى على نظمها أكثر من سبعمائة سنة، ولم يفقد أحد من قراءته في بلد من بلاد العالم إلى اليوم بيتا ولا شطرا منها.

وهؤلاء يقولون: إنّ كلّ أصحاب الرسول (ص) في بلد الرسول (ص) افتقدوا من قرآنه آية أو آيتين بعد سنتين أو عقدين من وفاته. بينا كان القرآن همّهم الوحيد يتلونه ليل نهار وهو كتابهم الوحيد وثقافتهم الوحيدة، لا شأن لغيره في حضارتهم.

* * *

كانت تلكم محاولة العلماء لرفع تناقض روايات جمع القرآن، وكذلك الشأن في روايات اختلاف المصاحف الّتي ندرسها في ما يأتي بإذنه تعالى.


24 شرح سنن الترمذي لابن العربي 11 / 263 ـ 265، في المسألة الرابعة، بتفسير قوله تعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ...).

وابن العربي هو أبو بكر محمّد بن عبداللّه المعافري، قاضي أشبيلية بالاندلس.

قال الذهبي بترجمته في تذكرة الحفاظ ص 1296 ـ 1297 ما موجزه: تذاكر فقهاء أشبيلية في حديث، فقال أحدهم: (لايعرف إلاّ من جدّ مالك، عن الزهري، فقال ابن العربي: قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك، فقالوا أفدنا هذا. فوعدهم ولم يخرج لهم شيئا) فقيل في ذلك:

فخذوا عن العربي أسمار الدجى

وخذوا الرواية عن إمام متّقى

إنّ الفتى حلو الكلام مهذّب

إن لم يجد خبرا صحيحا يخلق

إنّ ابن العربي مع ذلك من أوعية العلم بمدرسة الخلفاء. انظر إلى أسماء مؤلفاته بترجمته في هدية العارفين 2 / 90. توفي على الاصح سنة 443ه‍‍ .

25 في النص (أبو الطيب): تصحيف.

26 كهمة: كهم السيف كهامة: كلّ.

27 يقصد نفسه، أي: ابن العربي.

28 ألفية ابن مالك نظمها جمال الدين محمّد بن عبداللّه الطائي الجياني الاندلسي (ت: 672ه‍‍ )، مادّة ألفية بكشف الظنون؛ وهدية العارفين 2 / 130.