مناقشة روايات جمع القرآن استنادا إلى ما جاء فيها

إذا اقتصرنا في دراسة روايات جمع القرآن على ما جاء فيها فحسب، وجدناها تتفق على أنّهم بعد مقتل خمسمائة من القرّاء يوم اليمامة اهتموا بأمر جمع القرآن خشية أن يفقدوه بسبب مقتل القرّاء، وانّ الرسول (ص) لم يكن قد جمع القرآن قبلهم!

وأنّهم كانوا يدوّنون ما شهد عليه شهيدان انّه من القرآن، وانّهم فقدوا آيتين من القرآن، فوجدوهما عند خزيمة وحده ولم يجدوهما عند غيره.

وفي رواية وجدوهما عند خزيمة وعثمان ولم تكونا عند غيرهما.

وفي رواية أنّ سبب جمعهم القرآن أنّ الخليفة عمر سأل عن آية فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة.

فقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

فأمر بالقرآن فجمع.

وأنّ الخليفة عثمان أمر بجمع القرآن أو بتدوينه في المصحف الامام، لانّهم اختلفوا في قراءات القرآن.

وفي رواية أنّهم عندما كانوا يجمعون القرآن ربّما اختلفوا في آية، فيذكرون الرجل وقد تلقاها من رسول اللّه (ص) ولعلّه أن يكون غائبا في بعض البوادي فيكتبون ما قبلها وما بعدها يدعون موضعها حتّى يجي‌ء أو يرسل إليه.

وانّ الخليفة عثمان قال: أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها.

* * *

هذه خلاصة روايات جمع القرآن وفي ما يأتي ـ بإذنه تعالى ـ نناقشها استنادا إلى ما جاء فيها:

مناقشة الروايات:

نقول هب أنّه قتل خمسمائة من ثلاثة آلاف قارئ في يوم اليمامة، فأين كان الالفان والخمسمائة قارئ الّذين سلموا من تلك المعركة عن آية و آيتين لم يجدوهما عند غير خزيمة بن ثابت فكتبوهما لانّ الرسول (ص) جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين؟

وكيف كانوا يحتاجون في كتابة الاية إلى من كان بالبوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتّى يجي‌ء أو يرسل إليه وهل كان الرسول(ص) قد بلَّغها ذلك الرجل وحده ولم يبلّغ الاية غيره وكتمها عن الاخرين؟

وعلى هذا فما معنى ما جاء في الروايات: انّ جمعا من الصحابة كانوا قد جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه (ص)؟

ثمّ ما السبيل إلى الجمع بين محتوى الروايات الّتي تقول: أوّل من جمع القرآن أبو بكر، ولكنّه لم يظهره. والّتي تقول: أوّل من جمعه عمر وأتمّ عمله عثمان. أو الّتي تقول: انّ القرآن جمع وأُودع عند حفصة وأخذه منها عثمان، وخطّ عليه المصحف الامام.

كل هذه الروايات تصرّح بأنّه لم يكن القرآن قد جمع على عهد الرسول(ص) وأبي بكر وعمر، إذا فما بال الروايات المتواترة والمصرّحة بأنّ سبب قيام الخليفة عثمان بكتابة المصحف الامام اختلاف القراءات في المصاحف المنتشرة بين المسلمين سواء مصاحف الصحابة مثل مصحف ابن مسعود وأُبيّ أو سائر المسلمين!!

إذا فقد كانت في المدينة وغيرها من البلدان نسخ كثيرة من القرآن لدى كثير من الصحابة وسائر المسلمين، ولم يكن أصحاب تلك المصاحف قد تركوا كتابتها في عصر الرسول (ص).

* * *

كانت تلكم مناقشتنا الموجزة لما جاء في روايات جمع القرآن، وقد حار العلماء واختلفوا في حل متناقضاتها كما سنذكرها في ما يأتي بإذنه تعالى.