من قال: إنّ الخليفة عمر بدأ بجمع القرآن والخليفة عثمان أتمه
في المصاحف ومنتخب الكنز بسندهما قالا:
(أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول اللّه (ص) شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والالواح والعسب.
وكان لايقبل من أحد شيئا حتّى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان، فقال: من كان عنده من كتاب اللّه شيئا فليأتنا به، وكان لايقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان.
فجاء خزيمة بن ثابت، فقال: إنِّي قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما.
قالوا: ما هما؟
قال: تلقيتُ من رسول اللّه (ص): (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) إلى آخر السورة، فقال عثمان: وأنا أشهد أنّهما من عند اللّه، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة)(14).
من قال: إنّ الخليفة عثمان جمع القرآن في المصحف
1 ـ روى محمّد بن سيرين، قال: (قتل عمر ولم يجمع القرآن).
2 ـ وروى أبو قلابة، قال:
(لمّا كان في خلافة عثمان جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل ـ أي المقرئ ـ، والمعلّم يعلّم قراءة الرجل ـ أي الرجل المقرئ الاخر ـ، فجعل الغلمان يلتقون ويختلفون، حتّى ارتفع ذلك إلى المعلّمين، حتّى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا، فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عنِّي من الامصار أشدّ اختلافا، وأشدّ لحنا، فاجتمعوا يا أصحاب محمّد، فاكتبوا للناس إماما.
قال مالك بن أنس: كنت فيمن أُملي عليهم، فربّما اختلفوا في الاية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص)، ولعلّه أن يكون غائبا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتّى يجيء أو يرسل إليه.
فلمّا فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الامصار أنِّي قد صنعت كذا وصنعت كذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم)(15).
3 ـ وروى ابن شهاب أنّ أنس بن مالك حدّثه:
(أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق.
فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الاُمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك.
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبداللّه بن الزُّبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرّحمن بن الحرث بن هشام، فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أُفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بسواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق).
قال ابن شهاب: (وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول اللّه (ص) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الانصاري: (مِنَ الْمُؤْمِنِنَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا صَدَقُوا اللّه عَلَيْهِ...) (الاحزاب / 23)، فألحقناها في سورتها في المصحف)(16).
4 ـ وروى مصعب بن سعد، قال:
(قام عثمان فخطب الناس، فقال: أيُّها الناس! عهدكم بنبيِّكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أُبيّ، وقراءة عبداللّه، يقول الرجل واللّه ما تقيّم قراءتك، فاعزم على كلّ رجل منكم ما كان معه من كتاب اللّه شيء لما جاء به.
وكان الرجل يجيء بالورقة والاديم فيه القرآن، حتّى جمع من ذلك كثرة، ثمّ دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا، فناشدهم لسمعت رسول اللّه (ص) وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم.
فلمّا فرغ من ذلك عثمان، قال: من أكتب الناس؟
قالوا: كاتب رسول اللّه (ص) زيد بن ثابت.
قال: فأيّ الناس أعرب؟
قالوا: سعيد بن العاص.
قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد.
وكتب مصاحف، ففرّقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمّد (ص) يقول: قد أحسن)(17).
5 ـ وفي تاريخ الاسلام للذهبي:
(وقال أنس: إنّ حذيفة قدم على عثمان، وكان يغزو مع أهل العراق قبل أرمينية فاجتمع في ذلك الغزو أهل الشام وأهل العراق، فتنازعوا في القرآن حتّى سمع حذيفة من اختلافهم ما يكره، فركب حتّى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الاُمّة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في الكتب.
ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفصة أُمّ المؤمنين أن: أرسلي إليّ بالصحف الّتي جمع فيها القرآن.
فأرسلت إليه بها، فأمر زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبداللّه بن الزُّبير وعبدالرّحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية، فاكتبوها بلسان قريش فانّ القرآن إنّما نزل بلسانهم، ففعلوا حتّى كتبت المصاحف، ثمّ ردّ عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الّذي أرسل إليهم به، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار)(18).
6 ـ وروى أبو المليح، قال: (قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصحف: تملي هذيل، وتكتب ثقيف)(19).
7 ـ وروى عطاء:
(أنّ عثمان بن عفان لمّا نسخ القرآن في المصاحف، أرسل إلى أُبيّ بن كعب فكان يملي على زيد بن ثابت، وزيد يكتب، ومعه سعيد بن العاص يعربه، فهذا المصحف على قراءة أُبيّ وزيد)(20).
8 ـ وروى مجاهد:
(أنّ عثمان أمر أُبيّ بن كعب يملي، ويكتب زيد بن ثابت، ويعربه سعيد بن العاص، وعبدالرّحمن بن الحرث)(21).
9 ـ وروى عبدالاعلى بن عبداللّه بن عبداللّه بن عامر القرشي، قال:
(لمّا فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه. وقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها)(22).
10 ـ وروى عكرمة، قال:
(لمّا أُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن، فقال: لو كان المُملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا)(23).
خلاصة روايات جمع القرآن
أوّلا ـ جاء في صحيح البخاري وغيره:
أ ـ انّ أبا بكر أرسل إلى زيد بن ثابت بعد مقتل أهل اليمامة وقال: استحرّ القتل بقرّاء القرآن وإنّي أخشى أن يستحرَّ بهم القتل فيذهب كثير من القرآن فتتبع القرآن فاجمعهُ، فقال زيد: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟ ثمّ قبل الرأي، وتتبع القرآن، فجمعه، ولم يكن يقبل شيئا منه إلاّ بشهادة إثنين ووجد آخر سورة براءة (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ...) مع خزيمة، ولم يجدها مع غيره، فكتبها، لانّ الرسول (ص) جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
ب ـ وفي رواية أُخرى: إنّ زيدا اقترح ذلك على عمر بعد قتل خمسمائة رجل من القرّاء يوم اليمامة، فذكر ذلك لابي بكر، فاستشار المسلمين في جمع القرآن فصوّبوا الرأي، فأمر أبو بكر فنادى في الناس من كان عنده شيء من القرآن فليجئ به، فكانوا يكتبونه حتّى انتهوا إلى (ثُمَّ انصَرَفُوا...) من سورة براءة فظنّوا أنّها آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أُبيّ إنّ رسول اللّه (ص) أقرأه بعدها آيتين هما: (لَقَدْ جَاءكُمْ... رَبُّ الْعَرْشِ الْعظِيمِ) وقال: هذا آخر ما نزل من القرآن.
ثانيا
ـ جاء في المصاحف لابن أبي داود وغيره:
أ ـ انّ الخليفة عمر بدأ بجمع القرآن، وقال: من تلقى من رسول اللّه (ص) شيئا من القرآن فليأتنا به، وكان لايقبل شيئا حتّى يشهد عليه شهيدان، وأخبرهم خزيمة أنّهم لم يكتبوا (لَقَدْ جَاءكُمْ...) وشهد معه عثمان.
ورأى خزيمة أن يختم بهما ما نزل من القرآن في آخر براءة.
ب ـ انّ الخليفة عمر سأل عن آية من كتاب اللّه، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنّا للّه. وأمر بالقرآن فجمع وكان أوّل من جمعه في مصحف.
و ـ أيضا ـ جاء في المصحف لابن أبي داود وغيره ما موجزه:
أنّ المسلمين اختلفوا في قراءة القرآن على عهد عثمان، فخطب فيهم، وقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عنِّي في الامصار أشدّ اختلافا وأشدّ لحنا، فاجتمعوا، واكتبوا للناس إماما.
ففعلوا ذلك، وانّهم ربّما اختلفوا في آية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص)، ولعلّه أن يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل إليه.
وانّ زيد بن ثابت قال: فقدنا آية من الاحزاب كنت أسمع رسول اللّه يقرأ بها فالتمسناها فوجدنا مع خزيمة وهي: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ...) فالحقناها في سورتها.
ولمّا فرغ من المصحف، أتى به عثمان فنظر فيه، وقال: أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بالسنتها.
* * *
كانت تلكم روايات جمع القرآن وفي ما يأتي نناقشها على وفق ما جاء فيها: