تناقض روايات جمع القرآن واستدلال الشيخ النوري بها
إنّ أوّل ما استدلّ به المحدّث النوري في فصل الخطاب على مدّعاه بعد الدليل الاوّل روايات جمع القرآن وما فيها من تناقض
(1).
ونحن نرجع إلى مصادرها، وننقل موجز الروايات منها ثمّ ندرسها بحوله تعالى.
أحاديث جمع القرآن
من قال أوّل من جمع القرآن أبو بكر:
1 ـ رووا عن الامام علي(2)، وعبد خير(3)، ولفظ الحديث للثاني، قال: أوّل من جمع كتاب اللّه بين اللوحين أبو بكر.
2 ـ وقد أخرج ابن أشتة في المصاحف، عن الليث بن سعد وقال:
(أوّل من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لايكتب آية إلاّ بشهادة عدلين.
وإنّ آخر سورة (براءة) لم توجد إلاّ مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها، فإنّ رسول اللّه (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب.
وإنّ عمر أتى بآية الرجم، فلم نكتبها لانّه كان وحده)(4).
3 ـ في صحيح البخاري:
روى زيد بن ثابت، قال: (أرسل إليّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة(5) فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنِّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنِّي أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟
قال عمر: هذا واللّه خير.
فلم يزل عمر يراجعني حتّى شرح اللّه صدري لذلك، ورأيت في ذلك الّذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (ص)، فتتبع القرآن فاجمعه.
فواللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟
قال: هو واللّه خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعتُ القرآن أجمعه
من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، حتّى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري، لم أجدها مع غيره: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لاَ إِلهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعظِيمِ) (التوبة / 128 ، 129)، حتّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفاه اللّه، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر(6).
وفي لفظ آخر للبخاري وسنن الترمذي: فوجدت آخر سورة براءة ـالتوبةـ مع خزيمة بن ثابت... الحديث(7).
4 ـ وفي رواية أُخرى:
(لمّا أسرع القتل في قرّاء القرآن يوم اليمامة، قُتِل منهم يومئذ أربعمائة رجل، لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب، فقال له: إنّ هذا القرآن هو الجامع لديننا، فإن ذهب القرآن ذهب ديننا.
وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب.
فقال له: انتظر حتّى أسأل أبا بكر، فمضيا إلى أبي بكر، فأخبراه بذلك، فقال: لاتعجل حتّى أُشاور المسلمين، ثمّ قام خطيبا في الناس، فأخبرهم بذلك.
فقالوا: أصبت، فجمعوا القرآن. فأمر أبو بكر مناديا فنادى في الناس: من كان عنده شيء من القرآن فليجئ به...)(8).
5 ـ وفي رواية أُخرى:
لمّا استحرَّ القتل بالقرّاء يومئذ فَرقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر ابن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدوا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب اللّه فاكتباه(9).
6 ـ وفي رواية:
(إنّ أبا بكر الصدّيق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى، حتّى استعان عليه بعمر، ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتّى توفي، ثمّ عند عمر حتّى توفي، ثمّ كانت عند حفصة زوج النبيّ (ص)، فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها، حتّى عاهدها ليردنّها إليها فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان في هذه المصاحف ثمّ ردّها إليها فلم تزل عندها...)(10).
7 ـ وفي رواية:
عن أُبيّ بن كعب أنّهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر (رض)، فكان رجال يكتبون، ويملي عليهم أُبيّ بن كعب، فلمّا انتهوا إلى هذه الاية من سورة براءة (ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ) فظنّوا أنّ هذا آخر ما أُنزل من القرآن، فقال لهم أُبيّ بن كعب: إنّ رسول اللّه (ص) أقرأني بعدها آيتين: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) إلى (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).
ثمّ قال: هذا آخر ما نزل من القرآن، قال: فختم بما فتح به: (باللّه الّذي لا إله إلاّ هو) وهو قول اللّه تبارك وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلانُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ)(11).
من قال: إنّ الخليفة عمر بن الخطاب جمع القرآن في المصحف
في المصاحف لابن أبي داود وغيره:
1 ـ (إنّ عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب اللّه، فقيل: كانت مع فلان، فقتل يوم اليمامة.
فقال: إنّا للّه، وأمر بالقرآن، فجمع، وكان أوّل من جمعه في المصحف).
2 ـ وقال: وروى عبد اللّه بن فضالة:
(لمّا أراد عمر أن يكتب الامام، أقعد له نفرا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللّغة، فاكتبوها بلغة مضر، فإنّ القرآن نزل على رجل من مضر).
3 ـ وقال:
قال عمر بن الخطاب (رض): (لايملينّ في مصاحفنا إلاّ غلمان قريش وثقيف)(12).
وفي منتخب كنز العمال، قال:
(لمّا جمع عمر بن الخطاب المصحف سأل: من أعرب الناس؟
قيل: سعيد بن العاص.
فقال: من أكتب الناس؟
فقيل: زيد بن ثابت.
قال: فليمل سعيد وليكتب زيد.
فكتبوا مصاحف أربعة، فأنفذ مصحفا منها إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الحجاز)
(13).