الثاني عشر
ـ اختلاف الفقهاء بمدرسة الخلفاء في شأن البسملة
من الطبيعي أن يؤدِّي تناقض الروايات الانفة في شأن البسملة إلى اختلاف مدرسة الخلفاء في وجوب قراءة البسملة أو عدمه، وفي الجهر بها أو عدمه.
فقد قال الشافعي: إنّها آية من أوّل سورة الفاتحة ويجب قراءتها معها.
وقال مالك والاوزاعي: انّه ليس من القرآن ولا يقرأ لا سرّا ولا جهرا إلاّفي قيام شهر رمضان.
وقال أبو حنيفة: تقرأ ويسرّ بها، ولم يقل: إنّها آية من السورة أم لا. قال يعلى: سألت محمّد بن الحسن عن (بِسْمِ اللّهِ...) فقال ما بين الدفتين قرآن، قال: قلت فَلِمَ تسرّه ـ أي تقرأه سرّا ـ قال فلم يجبني(76).
الثالث عشر ـ أُسّ العلل في ما روي مناقضا لروايات وجوب قراءة البسملة
لكلّ الاحاديث الّتي رويت مناقضة لروايات وجوب قراءة البسملة علل تكشف عدم صحّتها. وقد أفاض القول في دراية أحاديث البسملة كلّ من البيهقي في سننه والحاكم في مستدركه والرازي في تفسيره كلّ واحد منهم تحدّث باسلوبه الخاصّ به.
وأشار إليها الذهبي في تلخيص المستدرك. وأقام الشافعي الدليل على ما اختاره في كتابه الاُم.
وإذا بحثنا عن منشأ اختلاف الروايات في قراءة البسملة، أدركنا بعد دراسة بعض الملابسات الّتي حصلت في قراءتها، أُسّ علل الروايات المناقضة للروايات المتواترة في وجوب قراءتها كالاتي:
الرابع عشر ـ منشأ تناقض الروايات في البسملة
أ ـ روى الشافعي في الاُم والحاكم في المستدرك بسندين والبيهقي في سننه بثلاثة أسانيد، وتبعهم الرازي والسيوطي في تفسيريهما، عن أنس بن مالك واللّفظ للحاكم.
(أنّ أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) لاُمّ القرآن ولم يقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) للسورة الّتي بعدها حتّى قضى تلك القراءة، فلمّا سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والانصار من كلّ مكان، يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلمّا صلّى بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) للسورة الّتي بعد أُمّ القرآن وكبّر حين يهوي ساجدا. هذا حديث صحيح على شرط مسلم...).
قال الحاكم ـ أيضا ـ وهو علّة لحديث شعبة وغيره من قتادة على علو قدره، يدلّس ويأخذ عن كلّ أحد وإن كان قد ادخل فيالصحيح حديث قتادة، فإنّ في ضدّه شواهد، أحدها ما ذكرناه، ومنها...، ثمّ ذكر الاحاديث الّتي رواها في قراءة البسملة والّتي ذكرناها سابقا.
وقد أيّد الذهبي قول الحاكم في قتادة وقال: (فإنّ قتادة يدلّس).
وقال الرازي بعد ذكر الحديث:
وهذا الخبر يدلّ على إجماع الصحابة (رضي اللّه عنهم) على أنّه من القرآن ومن الفاتحة وعلى أنّ الاولى الجهر بها(77).
ب ـ روى البيهقي بثلاثة أسانيد والشافعي بسندين عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه: أنّ معاوية قدم المدينة فصلّى بهم فلم يقرأ بـ(بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) ولم يكبّر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والانصار: أن يا معاوية! سرقت صلاتك، أين (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ)؟ وأين التكبير إذا خفضت ورفعت؟ فصلّى بهم صلاة أُخرى فقال ذلك فيها الّذي عابوا عليه(78).
الصلاة الّتي لم يقرأ فيها معاوية البسملة
قال عبداللّه بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد: أنّ معاوية صلّى بالمدينة للناس العتمة، فلم يقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ)، فلمّا انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والانصار، فقالوا: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ)... الحديث(79).
دراسة الخبر وما أنتج:
إنّ هذا الخبر يوضِّح لنا ما غمض من بعض الروايات الّتي سبق إيرادها، منها قول ابن الزُّبير: (ما يمنعهم منها إلاّ الكبر).
وقول ابن شهاب (أوّل من قرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) سرّا بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص وكان رجلا حييا)(80).
لست أدري ممّ حياؤه في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية الّتي يقرأ فيها الحمد والسورة جهرا؟ لعلّه الحياء من معاوية وعصبة الامويين أن يجهر بها مع ما بدر من معاوية من عدم قراءتها والحياء من المهاجرين والانصار أن يترك قراءتها.
ومنها قول ابن عباس كما نقله السيوطي في الاتقان، قال:
أخرج ابن خزيمة والبيهقي في المعرفة بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعم آية من القرآن: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ)(81).
وفي لفظ البيهقي في السنن: أنّ الشيطان استرق من أهل القرآن أعظم آية في القرآن(82).
وقال يحيى بن جعدة: (قد اختلس الشيطان من الائمّة آية بسم اللّه...)(83).
وكان الزهري يفتتح بـ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) ويقول آية من كتاب اللّه تعالى تركها الناس(84).
يقصدون من سرقة الشيطان البسملة واختلاسه إيّاها، ترك الناس إيّاها في الصلاة.
* * *
إذا جمعنا الروايات في البسملة وأخبارها، بعضها إلى بعض، نرى فيها مصداق قول ابن عباس كالاتي:
كان المسلمون في الحرمين الشريفين مذ عصر الرسول (ص) حتّى خلافة معاوية يقرأون البسملة مع السور، كما يكتبونها كذلك في المصاحف، وكان معاوية لا يقرأها مع السورة في الصلاة وهو خليفة المسلمين بالشام، فلمّا جاء إلى المدينة وأمّ المهاجرين والانصار بمسجد الرسول (ص) تركها في الصلاة على عادته، فناداه من سمعه من المهاجرين والانصار من كلّ مكان أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلمّا صلّى بعد ذلك قرأ البسملة للسورة وكان ذلك في المدينة، ويظهر من استعراض الاخبار أنّه عاد إلى تركها في صلاته بالشام وتبعه على ذلك الخلفاء من آل أُميّة من بعده.
ويقول ابن الزُّبير في وصف فعلهم: (ما يمنعهم إلاّ الكبر)، ويقول ابن عمر محتجّا عليهم (لِمَ كتبت في المصحف إن لم تقرأ)، ويستمر
على قراءتها أهل الحرمين فلمّا ولي عمرو بن سعيد بن العاص الاموي والي الحرمين، كان أوّل من قرأها سرا في المدينة، راعى في قراءته كرامة معاوية من جانب ورأي المهاجرين والانصار والتابعين من جانب آخر. ثمّ قويت شوكة الامويين بعد قتل منافسهم ابن الزُّبير بمكّة. ورويت بعض الاحاديث تأييدا لمعاوية وصونا لكرامته. واختلف المسلمون بمدرسة الخلفاء بعد ذلك، فمنهم من يقرأها، ومنهم من اتبع سنّة معاوية واجتهاده وترك قراءتها سواء من كان منهم في الحرمين الشريفين أم في غيرهما.