ثامنا ـ تواتر القول بجزئية البسملة من السورة في مدرسة الخلفاء

أ ـ قال الرازي: إنّ النقل المتواتر ثابت بأنّ (بِسْمِ اللّهِ...) كلام أنزله اللّه على محمّد (ص) وبأنّه مثبت في المصحف بخطّ القرآن(65).

وقال: وكلّ ما ليس من القرآن(66) غير مكتوب بخطّ القرآن، ألا ترى أنّهم منعوا من كتابة أسامي السور في المصحف ومنعوا من العلامات على الاعشار والاخماس. والغرض من ذلك كلّه أن يمنعوا من أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخطّ القرآن، ولمّا أجمعوا على كتبها بخطّ القرآن علمنا أنّها من القرآن(67).

ب ـ وقال السيوطي في ردّ من أنكر تواتر جزئية البسملة من السورة:

(ويكفي في تواترها إثباتها في مصاحف الصحابة فَمن بعدهم بخطّ المصحف مع مَنْعِهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه، كأسماء السور وآمين والاعشار، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخطّه من غير تمييز، لانّ ذلك يحمل على اعتقادها قرآنا، فيكونون مغرّرين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، وهذا ممّا لا يجوز اعتقاده في الصحابة. فإن قيل لعلّها أُثبتت للفصل بين السور، أُجيب بأنّ هذا فيه تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرّد الفصل ولو كانت له لكتبت بين براءة والانفال)(68).

تاسعا ـ إجماع مدرسة أهل البيت على وجوب قراءة البسملة في الصلاة

أجمعت مدرسة أهل البيت تبعا لائمّتهم في ما يروون عن رسول اللّه (ص) على أنّ البسملة آية من كلّ سورة. وانّ قراءتها واجبة في الحمد والسورة في كلّ صلاة، ويجب الجهر بها في الجهرية.

وقد ذكر السيِّد البروجردي (ت: 1380ه) في كتابه (جامع أحاديث الشيعة) ما روي عن أئمّة أهل البيت بشأن البسملة في:

أ ـ باب أنّ البسملة آية من الحمد ومن كلّ سورة عدا براءة، فيجب قراءتها، ومن تركها يعيد.

ب ـ باب وجوب الجهر بالبسملة في الصلوات الجهرية وحكمه في الصلاة الاخفاتية.

ونقتصر بذكر ثلاث روايات ممّا أوردها في البابين المذكورين في ما يأتي:

1 ـ نقل عن عيون الاخبار والامالي للصدوق بسنده عن الحسن بن عليّ8 قال: قيل لامير المؤمنين ـ الامام عليّ ـ : يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) أهي من فاتحة الكتاب؟ فقال: نعم، كان رسول اللّه(ص) يقرأها ويعدّها آية منها، ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني(69).

2 ـ ونقل في علّة إسقاط البسملة من سورة براءة:

(أنّ البسملة أمان والبراءة كانت إلى المشركين، فأسقط منها الامان)(70).

3 ـ وعن صفوان الجمّال، قال صلّيت خلف أبي عبداللّه (ع) ـالامام جعفرـ أيّاما فكان إذا كانت صلاة لايجهر فيها، جهر بـ(بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) وكان يجهر في السورتين جميعا(71).

عاشرا ـ أفرد عدّة من العلماء كتبا في وجوب قراءة البسملة، مثل:

أ ـ كتاب البسملة لابن خزيمة (ت: 311ه).

ب ـ كتاب الجهر بالبسملة للخطيب البغدادي (ت: 463ه).

ج ـ كتاب الجهر بالبسملة لابي سعيد البوشنجي (ت: 536ه).

د ـ كتاب الجهر بالبسملة لجلال الدين المحلي الشافعي (ت: 864ه).

هـ كتاب في بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لعليّ بن عبدالعزيز الدولابي من أصحاب الطبري المؤرّخ.

و ـ وكتب الدارقطني (ت: 385ه) جزءا في البسملة وصحّحه(72).

ونقتصر في إيراد روايات البسملة بما قدمنا ذكره.

* * *

بعد إيراد روايات وجوب قراءة البسملة نستعرض في ما يأتي الروايات المناقضة لها:

الحادي عشر ـ الروايات المناقضة لروايات وجوب قراءة البسملة

مع كلّ تلكم الروايات الصحيحة والموثقة والصريحة بأنّ رسول اللّه (ص) والخلفاء وجمعا من الصحابة والتابعين أجهروا بقراءة البسملة في الصلاة وقالوا أنّها جزء من الحمد وأمروا بقراءتها إلى زمن فقهاء الحرمين، نجد في كتب صحاح الحديث روايات تناقض الروايات المتواترة السابقة مثل رواية مسلم في صحيحه والنِّسائي في سننه وأحمد في مسنده عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: صلّيت مع رسول اللّه (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ)(73).

ومثل ما رواه الثلاثة ـ أيضا ـ:

عن أنس أنّه قال: صلّيت خلف النبيّ (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين لايذكرون (بِسْمِ

اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ) في أوّل قراءة، ولا في آخرها(74).

وما رواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده عن يزيد بن عبد اللّه، قال: سمعني أبي وأنا أقول (بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ)، فقال أي بني إياك. قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول اللّه (ص) كان أبغض إليه حدثا في الاسلام منه، فإنِّي قد صلّيت مع رسول اللّه (ص) ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها. إذا أنت قرأت فقل: الحمد للّه ربّ العالمين(75).

وعبداللّه المذكور هو الصحابي عبداللّه بن مغفل المزني سكن المدينة ثمّ بعثه عمر عاشر عشرة إلى البصرة ليفقهوا الناس (ت: 59 أو 60ه) في البصرة أيّام ولاية ابن زياد. ترجمته في الاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة، وابنه الراوي عنه مجهول الحال عندنا.


65 تفسير الرازي 1 / 195.

66 في النسخة (من القرآن فانّه غير مكتوب) خطأ مطبعي، والصواب ما أثبتناه.

67 تفسير الرازي 1 / 197.

68 الاتقان 1 / 8.

69 جامع أحاديث الشيعة، ط. قم، سنة 1398، 5 / 115، وفي الباب أحاديث أُخرى بمضمونه.

70 المصدر السابق ص 119.

71 المصدر السابق، باب وجوب الجهر، الحديث 2، عن الكافي. وروى الحديث في الباب بأسانيد أُخرى 5 / 128 ـ 129.

72 أ ـ في الدرّ المنثور 1 / 7، وأخرج سعيد بن منصور في سننه، وابن خزيمة في كتاب البسملة، والبيهقي عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس... الحديث.

ب ـ في ترجمة الخطيب البغدادي من طبقات الشافعية للشيخ جمال الدين عبدالرّحيم بن حسن الاشنوي (ت: 772ه) سنة 139ه، ص 1 / 201، سمى من تصانيفه: الجهر بالبسملة.

ج ـ في مادّة الجهر من ذيل كشف الظنون 1 / 388 (الجهر بالبسملة) لابي سعيد إسماعيل ابن عبدالواحد البوشنجي الهروي الشافعي.

د ـ في مادّة الجهر من كشف الظنون 1 / 623، الجهر بالبسملة لجلال الدين محمّد بن أحمد المحلي الشافعي.

هـ فهرست النديم ص 299.

و ـ قال القرطبي بتفسير البسملة من تفسيره 1 / 95: روى جماعة قرآنيتها، وقد تولّى الدارقطني جمع ذلك في جزء وصحّحه. وذكره الدارقطني في سننه 1 / 311.

73 صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجّة من قال لايجهر بالبسملة، الحديث رقم 50 و52؛ وسنن النِّسائي، باب ترك الجهر بالبسملة من كتاب افتتاح الصلاة 1 / 144؛ ومسند أحمد 3 / 177 و 273 و 278.

74 صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال لايجهر بالبسملة، الحديث 52؛ وسنن النِّسائي، كتاب افتتاح الصلاة، الباب 20؛ ومسند أحمد 3 / 203 و 205 و 223 و 255 و 273 و 278 و 286 و 289.

75 راجع سنن الترمذي 2 / 43؛ ومسند أحمد 4 / 85؛ والمصنف لعبدالرزّاق 2 / 88.