ثانيا ـ ما جاء في الاحاديث المروية عن الرسول (ص)

جاء في الاحاديث المرويّة عن رسول اللّه (ص) متابعة هذه الاُمّة للاُمم السابقة في كل ما فعلوا حذو القذة بالقذة، شبرا بشبر، وذراعا بذراع في ما رواه كلُّ من:

أ ـ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة عن جعفر بن محمّد الصادق (ع)، عن آبائه (ع) ، قال: قال رسول اللّه (ص):

((كل ما كان في الاُمم السالفة فانّه يكون في هذه الاُمّة مثله، حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة))(6).

وروى الصدوق ـ أيضا ـ في كمال الدين عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه (ص):

((والّذي بعثني بالحق نبيا وبشيرا لتركبنّ أُمّتي سنن من كان قبلها حذو النعل بالنعل حتّى لو أنّ حيّة من بني إسرائيل دخلت في جحر لدخلت في هذه الاُمّة حيّة مثلها))(7).

ب ـ قال ابن حجر في فتح الباري:

وفي حديث عبد اللّه بن عمرو عند الشافعي بسند صحيح:

((لتركبنّ سنة من كان قبلكم حلوها ومرها))(8).

ج ـ أحمد في مسنده ومسلم والبخاري في صحيحيهما واللفظ للاخير، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (ص) قال:

((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم.

قلنا: يا رسول اللّه! اليهود والنصارى؟

قال: فمن؟)).

وفي رواية أُخرى بمسند أحمد:

((لتتبعنّ سنن بني إسرائيل حتّى لو دخل رجل من بني إسرائيل جحر ضبّ لتبعتموه))(9).

د ـ البخاري في صحيحه وابن ماجة في سننه وأحمد في مسنده والمتقي في كنز العمال واللفظ للاوّل، عن أبي هريرة، عن النبيّ (ص) قال:

((لاتقوم الساعة حتّى تأخذ أُمّتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع)).

فقيل: يا رسول اللّه! كفارس والروم!؟

فقال: ((ومن الناس إلاّ أُولئك)).

ولفظ أحمد في مسنده:

((والّذي نفسي بيده لتتبعن سنن الّذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا فباعا حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه)).

قالوا: ومن هم يا رسول اللّه! أهل الكتاب؟

قال: فمن؟(10).

هـ الترمذي في صحيحه، والطيالسي وأحمد في مسنديهما والمتقي في كنز العمال واللفظ للاوّل:

في حديث أبي واقد الليثي، عن النبيّ (ص) قال:

((والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم)).

ولفظ أحمد في مسنده:

((لتركبنّ سنن من قبلكم سنّة سنّة))(11).

و ـ الترمذي في صحيحه والحاكم في مستدركه حسب ما رواه السيوطي في تفسيره واللفظ للاوّل، عن عبداللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه (ص):

((ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل؛ حذو النعل بالنعل حتى إن كان في بني إسرائيل من أتى أُمّه علانية لكان في أُمّتي من

فعل ذلك))(12).

ز ـ البزار في مسنده ـ كما في مجمع الزوائد ـ والحاكم في مستدركه كما في كنز العمال، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (ص):

((لتركبنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتّى لو أنّ أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتم حتى لو أنّ أحدهم جامع أُمّه لفعلتم))(13).

ح ـ أحمد في مسنده ومجمع الزوائد عن سهل بن سعد الانصاري عن النبيّ (ص) قال:

((والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم مثلا بمثل)).

وزاد الطبراني كما في مجمع الزوائد: ((حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لاتبعتموه)).

قلنا: يا رسول اللّه! اليهود والنصارى؟

قال: فمن إلاّ اليهود والنصارى؟(14).

ط ـ الطبراني كما في مجمع الزوائد عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (ص):

((أنتم أشبه الاُمم ببني إسرائيل لتركبنّ طريقهم حذو القذة بالقذة حتّى لا يكون فيهم شيء إلاّ فيكم مثله...))(15).

ي ـ الطبراني في الاوسط كما في مجمع الزوائد وكنز العمال عن المستورد بن شداد انّ رسول اللّه (ص) قال:

((لا تترك هذه الاُمّة شيئا من سنن الاولين حتّى تأتيه))(16).

ك ـ أحمد في مسنده والطبراني كما في مجمع الزوائد عن شداد بن أوس عن حديث رسول اللّه (ص):

((ليحملنّ شرار هذه الاُمّة على سنن الّذين خلوا من قبلهم أهل الكتاب حذو القذة بالقذة)) وبترجمته في أُسد الغابة (خلوا من قبلكم)(17).

* * *

وجدنا في ما سبق أنّ اللّه سبحانه أخبر عن وقوع التحريف في الاُمم السابقة وأخبر رسوله عن متابعة هذه الاُمّة للاُمم السابقة في كل ما فعلوه.

وإذا قارنا بين ما وقع من التحريف في هذه الاُمّة وما وقع منه في الاُمم السابقة وجدنا أنّ التحريف قد وقع في الاُمم السابقة في الكتب السماوية كما أخبر اللّه سبحانه بذلك في قوله:

(قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرا) (الانعام / 91)

صدق اللّه العظيم وصدق رسوله الكريم في ما أخبرا عن تحريف الاُمم السابقة لكتب اللّه ومتابعة هذه الاُمّة الاُمم السابقة في تحريفها كتاب اللّه غير أنّ اللّه تبارك وتعالى حفظ كتابه العظيم القرآن الكريم عن كل ما فعلوه في تحريف القرآن كما حفظ خليله إبراهيم (ع) من الاحتراق بالنار الّتي ألقاه قومه فيها ومنع لهيب النار من الوصول إليه وحرقه. كذلك حفظ اللّه القرآن من وصول التحريفات الّتي جاءت في الروايات من الوصول إلى نسخ القرآن الكريم. وبقيت نسخ القرآن محفوظة بمشيئة اللّه من تلكم التحريفات أبد الدهر. وسيأتي بيانه في البحوث الاتية بإذنه تعالى.

روايات تحريف القرآن الكريم ـ معاذ اللّه ـ وحفظ اللّه كتابه من التحريف

حرّف بعض أفراد هذه الاُمّة القرآن الكريم بالقراءات المختلفة فانّهم ـ مثلا ـ حرّفوا (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّيِنَ)

بتسعة أنواع من التحريف كالاتي:

أ ـ غير المغضوب عليهُمْ وغير الضّالِّين.

ب ـ غير المغضوب عليهِمي.

ج ـ غير المغضوب عليهِمُو.

د ـ غير المغضوب عليهُمُو.

هـ غير المغضوب عليهُمُ.

و ـ غير المغضوب عليْهُمِي.

ز ـ غير المغضوب عليهُمِ.

ح ـ غير المغضوب عليهِمُ.

ط ـ غير المغضوب عليهِمِ(18).

والصحيح غير المغضوب عليهِمْ.

هكذا قام في هذه الاُمّة من سمّوا بالقرّاء بتحريف القرآن الكريم آلاف المرّات باسم القراءات المختلفة كما سندرسها إن شاء اللّه في بحث القراءات، ولكن اللّه حفظ قرآنه الكريم كما وعد عن أن تناله أيدي المحرّفين وأبقى كتابه الكريم سالما عن كل ذلك التحريف بأيدي كلّ الناس والحمد للّه على هذه النعمة العظيمة.

ولم يكن الشيخ النوري الوحيد ممّن شوّش فكره من تلك الاحاديث بل سبقه إلى ذلك علماء مدرسة الخلفاء وقالوا بالتحريف ولكنّهم بدلوا اسم التحريف وسمّوه باسم النسخ والانساء أو بأسماء أُخرى وفق اجتهاداتهم كما سيأتي دراسته في بحث روايات السبعة أحرف، وأخيرا نشر المستشرقون تلك الروايات وتلك القراءات بهدف التشكيك بثبوت النصّ القرآني كما سنذكر بعضها في آخر هذا المجلّد إن شاء اللّه تعالى.


6 سلسلة رواة هذا الحديث من أئمّة أهل بيت النبيّ (ص) وهم جعفر الصادق (ت: 148ه) عن أبيه محمّد الباقر (ت: 114ه) عن أبيه عليّ زين العابدين (ت: 95ه) عن أبيه الحسين سبط رسول اللّه (ص) (ت: 61ه) عن أبيه عليّ بن أبي طالب (ع) (ت: 40ه) عن ابن عمّه رسول اللّه (ص).

قال ابن رسته في الاعلاق النفيسة ص 229: ((ليس في الارض خمسة يكتب عنهم الحديث توالوا غير جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رض))). والقذة ريش السهم.

7 كمال الدين للصدوق ط. الحيدري بطهران سنة 1390ه، ص 576، ورواه عنه المجلسي في البحار ط. الكمباني 8 / 3، وأشار إليه كل من الطبري في مجمع البيان، وكازر في جلاء الاذهان بتفسير آية (لتركبنَّ طبقا عن طبق). وسلسلة رواة هذا الحديث من أئمة أهل بيت النبيّ (ص):

جعفر الصادق عن أبيه محمّد الباقر عن جدّه الحسين سبط النبيّ عن جدّه رسول اللّه(ص).

8 فتح الباري 17 / 64.

يروي هذا الحديث الشافعي عن عبد اللّه بن عمرو، والشافعي هو: أبو عبد اللّه محمّد بن إدريس بن العباس بن شافع المطلبي واختلفوا في أُمّه أهاشمية هي أم أزدية وعلى هذا فقول بعضهم له ((ما رأيت هاشميا قط قدّم أبا بكر وعمر على علي (رض) )) كما في طبقات الشافعية يكون تغليبا للهاشمي على المطلبي الّذي هو من أولاد أخي هاشم.

مات بمصر سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة. تقريب التهذيب (2 / 143).

وعبد اللّه بن عمرو بن العاص قرشي سهمي كان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة أسلم قبل أبيه، قرأ القرآن والكتب المتقدمة وروى عن رسول اللّه (ص) سبعمائة حديث. شهد صفين مع أبيه ثمّ ندم وكان يقول: وددت أنِّي متّ قبله بعشرين سنة. اختلفوا في وفاته وهل توفي سنة 63 أو 65 بمصر أو 67 بمكّة أو 55 بالطائف أو 68 وكذلك اختلفوا في مدّة عمره.

أُسد الغابة (3 / 233 ـ 235) وجوامع السيرة لابن حزم ص 276.

9 مسند الطيالسي، الحديث 2178؛ ومسند أحمد 3 / 94 و 3 / 84؛ وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب العلم 16 / 219؛ وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب (قول النبيّ (ص): لتتبعنّ سنن من كان قبلكم) 17 / 63،64؛ وصحيح البخاري، كتاب الانبياء، باب (ما ذكر عن بني إسرائيل) 2 / 171؛ وكنز العمال 11 / 123.

ولفظته في رواية أُخرى للبخاري ((لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه)) وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الانصاري من بني خدرة عرضه أبوه على رسول اللّه (ص) يوم الخندق وهو ابن ثلاث عشرة وأخذ بيده وهو يقول: يا رسول اللّه (ص) انّه عبل العظام فردّه رسول اللّه (ص) وشهد غزوة بني المصطلق وهو من الرواة المكثرين، روى عن رسول اللّه (ص) (1170 حديثا) وأخرجها جميع أصحاب الحديث وتوفي سنة 74ه. أُسد الغابة وجوامع السيرة ص276.

10 صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب قول النبيّ (ص) ((لتتبعنّ سنن من كان قبلكم)) 4 / 176؛ وفتح الباري 17 / 63؛ وسنن ابن ماجة، الحديث 3994؛ ومسند أحمد 2 / 327 وفيها ((فمه)) تصحيف و2 / 367 و 450 و 511 و 527؛ وكنز العمال 11 / 123.

11 سنن الترمذي 9 / 27 ، 28؛ ومسند الطيالسي، الحديث 1346؛ ومسند أحمد 5 / 218؛ وكنز العمال 11 / 123، باب الاقوال من كتاب الفتن.

وأبو واقد الليثي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة اختلفوا في اسمه وفي زمن اسلامه وهل حضر بدرا أم حضر الفتح أو لم يشهدهما وأسلم بعدهما، روى عن رسول اللّه (ص) (24 حديثا) وأخرج حديثه البخاري في الادب المفرد، جاور مكّة وتوفي بها سنة ثمان وستين وله خمس وسبعون أو خمس وثمانون سنة.

أُسد الغابة (5 / 319) وجوامع السيرة ص (282).

12 سنن الترمذي 10 / 109، أبواب الايمان ؛ والدر المنثور للسيوطي 4 / 62 في تفسير الاية: (ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا) من سورة آل عمران، عن المستدرك للحاكم.

13 مجمع الزوائد 7 / 261 رواه عن البزار والحاكم؛ وكنز العمال 11 / 123 عن مستدرك الحاكم.

وعبد اللّه بن عباس روى عن رسول اللّه (1660 حديثا) أخرج حديثه جميع أصحاب الحديث. جوامع السيرة (ص 276) وبقية ترجمته في عبد اللّه بن سبأ (1 / 114).

14 مسند أحمد 5 / 340؛ ومجمع الزوائد 7 / 261.

وسهل بن سعد بن مالك الانصاري الساعدي كان له يوم توفي رسول اللّه (ص) خمس عشرة سنة، أدرك الحجاج وأرسل إليه ثمّ أمر به فختم عنقه لانّه لم ينصر عثمان، روى عن رسول اللّه (ص) (188 حديثا) أخرج حديثه أصحاب الحديث جميعا، توفي سنة ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين ويقال: انّه آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (ص) بالمدينة.

أُسد الغابة (2 / 366) وجوامع السيرة (ص 277) والتقريب (1 / 336).

15 مجمع الزوائد 7 / 261 عن الطبراني.

وأبو عبد الرّحمن عبداللّه بن مسعود بن غافل الهذلي من بني سعد بن هذيل وحليف بني زهرة من قريش أسلم قديما بمكّة، قالوا كان أوّل من أجهر بالقرآن بها وهاجر إلى الحبشة والمدينة وشهد مشاهد رسول اللّه (ص) كلّها، وروى عنه (848 حديثا) وأخرج حديثه أصحاب الحديث جميعا وعينه الخليفة عمر معلما لاهل الكوفة وخازنا لبيت مالهم وعلى عهد عثمان شكاه الوليد إلى الخليفة فجلبه إلى المدينة وأمر به فضرب به الارض فدق ضلعه، وحرمه عطاءه سنتين فلمّا مرض مرض الوفاة أراد أن يعطيه عطاءه فلم يقبل وأوصى ألاّيصلّي عليه عثمان وتوفي سنة 32ه ودفن بغير علم عثمان. أُسد الغابة 3 / 256 ـ 258؛ وجوامع السيرة ص 276؛ وتقريب التهذيب 1 / 450؛ وكتابنا أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة ص 1 / 62 ـ 65.

16 مجمع الزوائد 7 / 261؛ وكنز العمال 11 / 123 عن الطبراني في الاوسط.

المستورد بن شداد بن عمرو القرشي الفهري وأُمّه دعد أُخت كرز بن جابر بن حسل كان غلاما حين قبض النبي (ص) وروى عنه سبعة أحاديث، أخرج حديثه أصحاب الحديث والبخاري معلقا، سكن الكوفة ومصر وتوفي سنة 45ه.

أُسد الغابة 4 / 354؛ وجوامع السيرة ص 287؛ وتقريب التهذيب 2 / 242.

وستأتي ترجمته مفصلة في فصل (خصائص المجتمع الاسلامي على عهد الخليفة عثمان).

17 مسند أحمد 4 / 125؛ ومجمع الزوائد 7 / 261 عن الطبراني، وقاموس الكتاب المقدّس تأليف المستر ماكس الامريكي، المطبعة الامريكية ببيروت سنة 1907م.

وشداد بن أوس، ابن أخي حسان بن ثابت الانصاري الخزرجي روى عن رسول اللّه (ص) خمسين حديثا وأخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح سكن ببيت المقدس توفي بالشام سنة 41 أو 58 أو 64. أُسد الغابة 2 / 287 ـ 288؛ وجوامع السيرة ص 279؛ وتقريب التهذيب 1 / 347 الترجمة رقم 26.

18 راجع تفسير سورة الحمد من تفسير القرطبي 1 / 148 ـ 151.