برهن الشيخ النوري أوّلا في (ص 35 ـ 53) على وقوع التحريف في التوراة والانجيل وقال في آخر ص 53 ما موجزه:

(إنّ كل ما وقع في الاُمم السابقة خاصّة ببني إسرائيل يقع في هذه الاُمّة المرحومة وأنّها تتبع سنن السابقين وسيرة من كان قبلهم في كل أحوالهم وجميع أطوارهم خصوصا في ما يتعلق بأمر الدين).

ثمّ أيّد ما ادّعاه في (ص 54 ـ 69) بأنّ هذه الاُمّة شابهت في بعض أعمالها الاُمم السابقة وأكّد ثانية ما ادعاه هنا في آخر الدليل الثاني عشر ص 366 ـ 377.

هذا ما ادعاه الشيخ النوري وأقام عليه الادلّة تلو الادلّة، وهذا البحث من أقوى أدلّته على مدّعاه في تحريف القرآن ـ معاذ اللّه ـ وخنس إحسان إلهي ظهير في هذا المقام خنوسا شديدا. ولم يشر إلى ما أورده الشيخ النوري في خمس وأربعين صفحة من كتابه، ونستعين اللّه ونقول:

لقد برهنا في كتبنا على وقوع التحريف في الاُمم السابقة، مثل ما ذكرناه في باب الدين والاسلام من كتابنا عقائد الاسلام من القرآن الكريم وفي البحث التمهيدي الخامس من المجلّد الثاني من (خمسون ومائة صحابي مختلق) ونورد هنا بعض تلك البحوث:

أوّلا ـ مثال واحد ممّا وقع من التحريف في التوراة:

نورد في ما يلي صورا للاعداد من الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية عن طبعات مختلفة للتوراة لنرى التحريف فيهن عيانا.

أـ تصوير النسخة الّتي ترجمها القسيس رابنسن من الاصل العبراني إلى الفارسية وطبعت بمطبعة رجارد واطسن بلندن سنة 1839م:

ب ـ النسخة المطبوعة(4) بجامعة اكسفورد بلندن، دون تاريخ ص 184:

ج ـ تصوير النسخة المطبوعة بمطبعة رجارد واطسن بلندن سنة 1831م عن النسخة المطبوعة في رومية العظمى سنة 1671

لمنفعة الكنائس الشرقية:

د ـ تصوير النسخة المطبوعة بالمطبعة الامريكية في بيروت سنة 1907:

المحرف في هذا الاصحاح وسببه:

إنّ الاعداد (1 ـ 4) من هذا الاصحاح تخبر أنّ موسى بن عمران تكلم قبل موته عن ثلاثة أماكن أظهر اللّه فيهن أمره وأنزل شرائعه، وهي:

أ ـ سيناء وهو المكان الّذي أنزل اللّه فيه شريعة التوارة على موسى (ع) ووصف تلك الشريعة في العدد الرابع منه بأنّها ميراث لجماعة يعقوب وهم بنو إسرائيل. إذا فهي شريعة خاصة ببني إسرائيل.

ب ـ سعير أو ساعير ـ وهي الاراضي الّتي فيها الجبال المحيطة بالقدس كما في مادّة ((سعير)) من قاموس الكتاب المقدس ومادّة ((ساعير)) من معجم البلدان. وهو المكان الّذي نزلت فيه شريعة الانجيل على عيسى بن مريم (ع) ولم يرد حوله شرح في كلام موسى (ع) هنا.

ج ـ جبل فاران ـ وفاران كما جاء في الاصحاح 21 من سفر التكوين من التوراة مكان كان قد سكنته هاجر وإسماعيل بعد أن صرفهما إبراهيم من منزله بطلب من سارة، وجاء في العدد 21 منه خاصّة في إسماعيل ما يلي:

((وسكن في برية فاران وأخذت أُمّه له امرأة من مصر)).

هذا ومن المجمع عليه أن إسماعيل وهاجر بعد مغادرتهما من منزل إبراهيم سكنا مكّة وعاشا بها حتّى تُوفيا بها، ومدفنهما مشهور إلى اليوم بحجر إسماعيل، وعلى هذا لابدّ أن يكون جبل فاران من جبال مكّة كما صرح بذلك ـ أيضا ـ في مادّة ((فاران)) كل من ياقوت في معجم البلدان وابن منظور في لسان العرب، والفيروز آبادي في القاموس والزبيدي في تاج العروس.

وقد جاء شرح صفات الشريعة الّتي نزلت بجبل فاران وكيفية ظهور أمر اللّه فيه بنسخة القس رابنسن والنص الانكليزي ما ترجمته كما يلي:

((وأشرق من جبل فاران، وورد مع عشرة آلاف من المقربين وآتاهم بيمينه شريعة نارية، يحب القبائل، وجميع مقدساته في يدك، ومقربين إلى رجلك، يأخذون تعاليمك)).

وجاء في المطبوعة عن النسخة الرومية ما يلي:

((استعلن من جبل فاران، ومعه أُلوف الاطهار، في يمينه سنّة من نار، أحبّ الشعوب، جميع الاطهار بيده، يقتربون من رجليه، يقبلون من تعليمه)).

ولما كان الاشراق من جبل فاران يصدق على نزول شريعة القرآن على خاتم الانبياء محمّد (ص) بغار حراء في جبل فاران حول مكّة وهو الّذي جاء بعد ذلك إلى مكّة ـ أراضي فاران ـ مع عشرة آلاف وفتح مكّة(5) وهو الّذي كان في يمينه شريعة نارية أو (سنّة نارية) أي شريعة الحرب وهو الّذي (أحبّ القبائل) أو (يحب الشعوب) كما أعلن القرآن عنه بقوله تعالى:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ) (الانبياء / 107)، وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرا وَنَذِيرا) (سبأ / 28).

لما كان هذا الاشراق يصدق على بعثة خاتم الانبياء ولا يصدق على غيره فإنّ موسى الّذي جاء مع أخيه وعيسى الّذي كان مع نفر من الحواريين لا يصدق على أحدهما أنّه جاء (مع عشرة آلاف من المقربين).

وكذلك لا يصدق على عيسى أنّه (في يمينه شريعة نارية).

ولا يصدق على موسى الّذي جاء بناموس يخص جماعة يعقوب أن أحبّ الشعوب أو يحب القبائل(؟).

لهذا كلّه وقع التحريف في هذه النسخ كما يلي:

 

ا - الجملة الاولى

ب - الجملة الثانية

ج- الجملة الثالثة

ترجمة نسخة رابنسن والانجليزية

ورد مع عشرة الاف من المقربين

واتاهم بيمينه شريعة نارية

يحب القبائل

النسخة الرومية

ومعه الوف الاطهار

في يمينه سنة من النار

احب الشعوب

الطبعة الامريكية

واتى من ربوات القدس

وعن يمينه نار شريعة لهم

فاحب الشعب

في الفقرة (أ) حرّفت (وورد مع عشرة آلاف من المقربين) إلى (ومعه ألوف الاطهار) ثمّ رفعت الجملة نهائيا أخيرا ووضع مكانها (وأتى من ربوات القدس) ليصدق هذا التحريف الاخير على ظهور عيسى ابن مريم (ع)!!!

وفي الفقرة (ب) حرّفت (شريعة نارية) أو سنة نارية إلى (نار شريعة) لئلاّتدل على شريعة الحرب فتصدق على شريعة خاتم الانبياء خاصّة.

وفي الفقرة (ج) حرّفت (القبائل) أو (الشعوب) الّتي جاءت بلفظ الجمع إلى (الشعب) بلفظ المفرد ليصدق على غير خاتم الانبياء.


4 امتازت بطبع اللون الاحمر مع الاسود للكلمات ـ في العهد الجديد فقط ـ وسميت بـ EDITION LETTER RED.

5 روى ابن هشام في سيرته (4 / 17) والطبري في تاريخه (1 / 1628) عن ابن إسحاق قال: كان مع رسول اللّه (ص) في فتح مكّة ((عشرة آلاف من المسلمين)).