أوّلا ـ مصاحف أُمّهات المؤمنين

مصحف أُمّ المؤمنين عائشة

نقل النوري عن صحيح مسلم والدّر المنثور للسيوطي وابن حجر في فتح الباري والزمخشري في الكشاف والجزء الثاني من تاريخ نيسابور عن أُمّ المؤمنين عائشة وأُمّ المؤمنين حفصة أنّ كلاّ ً منهما أمرتْ أن يُكتب لها مصحف ويكتب فيه: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر)(58).

وهذا نصّ الحديث في صحيح مسلم عن أبي يونس مولى عائشة، أنّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت هذه الاية فآذني: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى)، فلمّا بلغتها آذنتها، فأملَتْ عليّ: (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للّه قانتين). قالت عائشة: سمعتها من رسول اللّه (ص).

وأخرج الحديث بلفظه مسلم والترمذي وقال في آخره:

(وفي الباب عن حفصة). والنِّسائي في سننه وأحمد في مسنده(59).

مصحف أُمّ المؤمنين حفصة وفي تفسير الاية بتفسير الطبري والدّر المنثور للسيوطي، وأخرج عبدالرزّاق والبخاري في تاريخه وابن أبي داود في المصاحف عن أبي رافع مولى حفصة، قال: استكتبتني حفصة مصحفا، فقالت: إذا أتيت على هذه الاية فتعال حتّى أُمليها عليك كما قرأتها.

فلمّا أتيت على هذه الاية: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ).

قالت: أُكتب: (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى، وصلاة العصر).

فلقيت أُبيّ بن كعب فقلت: أبا المنذر، إنّ حفصة قالت كذا وكذا.

فقال: هو كما قالت(60).

مصحف أُمّ سلمة

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن عبداللّه بن رافع عن أُمّ سلمة، أنّها أمرته أن يكتب لها مصحفا.

فلمّا بلغتُ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسطَى) قالت: اكتب: (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للّه قانتين)(61).

ورواها ـ أيضا ـ بتفسير الاية القرطبي والرازي عن عائشة والزمخشري عن حفصة، وفي لفظه، قالت:

(لاتكتبها حتّى امليها عليك كما سمعت رسول اللّه (ص) يقرأها...) الحديث.

وقال: وروي عن عائشة وابن عباس (رض): والصّلاة الوسطى وصلاة العصر(62).

ثانيا ـ مصاحف الصحابة

أ ـ مصحف الامام عليّ

نقل النوري عن الاستيعاب والاتقان وغيرهما، أنّ الامام عليّا آلى بعد وفاة النبي أن لايرتدي حتّى يجمع القرآن، وأنّه رتّب القرآن على حسب نزوله(63).

وروى السيوطي عن ابن حجر عن ابن أبي داود أنّ الامام عليّا جمع القرآن على ترتيب نزوله عقيب موت النبيّ (ص)(64).

وفي الاستيعاب عن ابن سيرين أنّه قال: بلغني أنّه كتب على تنزيله، ولو أُصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.

وفي الاتقان، قال ابن سيرين: تطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه(65).

وقال اليعقوبي وروى ما موجزه:

أنّ عليّ بن أبي طالب جمع القرآن لما توفي رسول اللّه (ص) وأتى به وقال: ((هذا القرآن قد جمعته)).

وقال: وكان قد جزّأه سبعة أجزاء، في كلّ جزء 886 آية ونقل كيفية تقسيم السور على الاجزاء(66).

ونحن لانعرف صحّة ما زعمه.

وقال السيوطي في الاتقان:

(إنّ جمهور العلماء اتّفقوا على أنّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة. وأنّ ابن فارس استدلّ لذلك بأنّ منهم من رتّبها على النزول، وهو مصحف عليّ، كان أوّله: إقرأ ثمّ نون ثمّ المزمل ثمّ تبّت ثمّ التكوير...)، هكذا ذكر السور إلى آخر المكّي ثمّ المدني(67).

ب ـ مصحف أُبيّ بن كعب

أوّلا ـ ترتيب السور فيه:

نقل السيوطي عن ترتيب السور في مصحفه وقال:

هذا تأليف مصحف أُبيّ: (الحمد، البقرة، النِّساء... إلى قوله: الفلق ثمّ الناس)(68).

ثانيا ـ قد رووا الكثير في اختلاف القراءة بين مصحف أُبيّ وغيره من مصاحف الصحابة(69). ونكتفي بما ذكرناه في ما سبق في ذكر السور الاربع المزعومات، وما نضطر إلى ذكره خلال البحوث الاتية إن شاء اللّه تعالى.

وفي تفسير الطبري عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفا فقال: هذا على قراءة أُبيّ قال: وفيه فما استمتعتم به منهنّ ـ إلى أجل مسمّى(70).

ج ـ مصحف عبداللّه بن مسعود

أوّلا ـ ترتيب السور فيه:

روى في الاتقان كيفية ترتيب مصحف ابن مسعود كالاتي:

(البقرة والنِّساء وآل عمران... إلى قوله: وألم نشرح وليس فيه الحمد ولا المعوذتان)(71).

ثانيا ـ اختلاف القراءات في مصحفه عن غيره من مصاحف الصحابة وما روي عنه في نقصان القرآن ـ معاذ اللّه ـ فسيأتي ذكر

ما نضطر إلى ذكره خلال البحوث إن شاء اللّه تعالى، بالاضافة إلى ذكر ما روي عنه في الفاتحة والمعوّذتين.

* * *

كان ذلكم ما رووا عن شأن القرآن في عصر الصحابة ، وقالوا عن شأن القرآن في عصر الحجاج ما يأتي:

ما قيل أنّ الحجاج غير في مصحف عثمان قال ابن أبي داود في هذا الباب من كتابه اختلاف المصاحف، باب ما كتب الحجاج بن يوسف في المصحف:

(بسنده عن عوف بن أبي جميلة أنّ الحجاج بن يوسف غيّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفا، قال: كانت في سورة البقرة / 259 (لَمْ يتسنَّ وَانظر) فغيّرها (لم يتسنّه) بالهاء...).

وقال:

كانت في سورة يونس / 22 (هُوَ الَّذِي يُنشِّركُم) فغيّره ((يُسيّركم)).

وقال:

وكانت في سورة محمّد / 15 (مِنْ مَاء غَير يَاسن) فغيّرها ((من ماء غير آسن)).

وكانت في سورة الحديد / 7 (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَتَّقُوا مِنْكُمْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيْر) فغيّرها ((منكم وانفقوا))(72) وهكذا أتمّ عدد الاحد عشر تغييرا على حدّ زعمه.

أوردنا بعض أخبار اختلاف المصاحف وبعض روايات الزيادة والنقيصة في القرآن الكريم في هذا البحث وأوردنا قبله روايات جمع القرآن، ولابدّ في دراسة المجموعتين من إيراد بحوث مفصلة سوف نوردها في آخر الكتاب وندرس إن شاء اللّه تعالى في ضوئها جميع الاخبار الواردة في هذا المجلّد، وفي ما يأتي ندرس بحوله تعالى روايات السبعة أحرف.


58 فصل الخطاب ص 174 و175.أُمّ المؤمنين حفصة ابنة ثاني الخلفاء عمر بن الخطاب. رووا عنها 60 حديثا. (ت: 41 أو 45ه‍‍ ).

جوامع السيرة ص 279؛ وأُسد الغابة 5 / 425.

59 صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر 1 / 437 ـ 438؛ وسنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب وقت صلاة العصر 1 / 112؛ وسنن الترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة 11 / 105؛ وسنن النِّسائي، كتاب الصّلاة، باب المحافظة على صلاة العصر 1 / 82 ـ 83؛ وموطأ مالك، كتاب الصلاة، باب صلاة الوسطى 1 / 157 ـ 158؛ وتفسير الاية في الدرّ المنثور 1 / 302 و 303. وفي فتح الباري 9 / 265؛ ومسند أحمد 6 / 73 و 878 منه؛ وفصل الخطاب ص 174 ـ 175.

وأبو يونس مولى عائشة، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين. أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنِّسائي والبخاري في الادب المفرد. تقريب التهذيب 2 / 492.

60 الدّر المنثور 1 / 302؛ وفي موطأ مالك، كتاب الصّلاة، باب الصلاة الوسطى 1 / 158 عن عمرو بن رافع. وفي لفظه بعد صلاة الوسطى: (وَقُومُوا للّه قَانِتِينَ). وعبدالرزّاق في المصنف، كتاب الطّهارة، باب صلاة الوسطى الحديث رقم 2202؛ وتفسير الطبري 2 / 343؛ والمصاحف لابن أبي داود ص 85 ـ‍ 86.

وأبو رافع مولى حفصة، لعلّه نفيع الصائغ المدني مولى آل عمر، أدرك الجاهلية، ثقة، ثبت، مشهور بكنيته. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح، وموته قريب من موت أنس. تذكرة الحفاظ ص 60؛ وتقريب التهذيب 2 / 306.

61 الدّر المنثور 1 / 303؛ والمصاحف لابن أبي داود ص 87.

وكيع الحافظ، أبو سفيان، وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، الفقيه، محدث العراق. من تصانيفه: تفسير القرآن، كتاب السنن (توفي سنة: 197ه‍‍ ) بفيد راجعا من الحجّ.

تذكرة الحفاظ ص 306؛ وكشف الظنون ص 461؛ وهدية العارفين 2 / 500.

ابن المنذر. أبو بكر محمّد بن إبراهيم النيسابوري، شيخ الحرم بمكّة، فقيه، مجتهد، من الحفاظ صاحب الكتب الّتي لم يؤلّف مثلها، منها تفسير القرآن (ت: 310ه‍‍ ).

تذكرة الحفاظ ص 782؛ ولسان الميزان 5 / 27؛ وهدية العارفين 2 / 31.

62 تفسير القرطبي 3 / 209؛ وتفسير الكبير للرازي 6 / 150؛ وتفسير الكشاف 1/ 376؛ والمصاحف لابن أبي داود ص 83 ـ 84؛ والدرّ المنثور 1 / 302.

63 فصل الخطاب ص 6 و 7.

والامام عليّ (ع) ترجم له في الجزء الاوّل ص 133، الطبعة الرابعة من كتاب معالم المدرستين.

64 الاتقان، النوع العشرون في حفاظه ورواته، 1 / 74.

65 بترجمة عبد اللّه بن أبي قحافة، أبي بكر من الاستيعاب 1 / 334؛ وراجع الاتقان، النوع الثامن عشر في جمعه وترتيبه، 1 / 59.

66 تاريخ اليعقوبي 2 / 135.

67 الاتقان 1 / 66.

وابن فارس اللغوي أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا الرازي المالكي الهمداني، من تصانيفه: جامع التأويل في تفسير التنزيل. هدية العارفين 1 / 68.

68 الاتقان 1 / 68، عن المصاحف لابن أشته.

69 الاتقان 1 / 66.

70 تفسير الاية بتفسير الطبري 5 / 9؛ وراجع تفسيرها بتفسير القرطبي 5 / 130؛ والزمخشري 1 / 519؛ وابن كثير 1 / 474؛ وسنن البيهقي 7 / 205؛ وشرح النووي على صحيح مسلم 9 / 179.

71 الاتقان 1 / 66، عن المصاحف لابن أشته.

72 المصاحف لابن أبي داود ص 49 ـ 50.