تبدل معنى القراءة والاقراء في مصطلح المسلمين
مر بنا آنفاً أنّ الرسول (ص) كان يتلقى عن طريق الوحي تلاوة لفظ القرآن ويتعلّم معناه في ما يحتاج معناه إلى تعلّم من جبرائيل: مثل آيات الاحكام في الوضوء والتيمم وركعات الصلاة وأذكارها وما شابهها وذلكم معنى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى) (الاعلى / 6)
وكان الرسول ـ أيضاً ـ كذلك يفعل في إقرائه القرآن للصحابة ويُسمى عندئذ من تعلم شيئاً كثيراً من تلاوة لفظ القرآن مع تعلّم معناه بالقارئ وإذا قام القارئ بإقراء الاخرين يسمّى بالمقرئ.
وبناء على ذلك كانت القراءة في عصر الرسول (ص) بمعنى تعليم تلاوة القرآن مع تعليم معناه والاقراء تعليم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ الّذي يحتاج إلى تعلّمه. وكان لمعنى مادة القراءة والاقراء في عصر الرسول (ص) جزءان:
أ ـ تعلم تلاوة اللفظ وتعليمها.
ب ـ تعلم معنى اللفظ وتعليمه.
إذاً فإن القراءة والاقراء كان في المصطلح الاسلامي في عصر الرسول (ص) بمعنى تعلم لفظ القرآن وتعلم معناه وتعليمهما معاً.
وبهذا المعنى استعمل في قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى).
وأيضاً استعمل في القرآن الكريم في معناه اللغوي أحياناً في مثل قوله ـ تعالى ـ في سورة المزمل / 20: (فَاقْءروا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وقوله تعالى في سورة الحاقّة / 19: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْءروا كِتَابِيَهْ).
كما أن لفظ الصلاة استعمل في المصطلح الاسلامي بمعنى الصلاة الّتي تقرأ سورة الفاتحة في الركعتين الاوليين منها.
وبهذا المعنى استعمل في قوله ـ تعالى ـ في سورة البقرة / 238:
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوتِ وَالصَّلوةِ الْوُسْطى) كما استعمل ـ أيضاً ـ في معناه اللغوي في مثل قوله تعالى في سورة النور:
(أَلَمْ تَرَ أنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّموَاتِ وَالاَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (الاية / 41)
واستعملت القراءة والاقراء بعد عصر الرسول (ص) غالبا في المعنى الاصطلاحي، وأحيانا استعمل في أحد جزأي المعنى الاصطلاحي وهو تعليم معنى القرآن أي تعليم تفسير القرآن.
وقد قال الراغب في مادة (قرأ) من مفردات القرآن:
(كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منه إذا انفرد كالمائدة للخوان وللطعام، ثمّ قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به).
ونرى أن ما جاء في صحيح البخاري أن ابن عباس كان يقرئ في منى في آخر سنة من خلافة عمر كبار الصحابة أمثال عبد الرحمن بن عوف القرآن جاء بمعنى اقراءهم معنى الايات أي أنّه كان يقرئهم تفسير القرآن.
وكان المسلمون صحابة وتابعين يعنون بتعلّم معاني القرآن بعد تعلّم تلاوته يسافرون من بلد إلى بلد في سبيل ذلك كما فعل ذلك صبيغ بن عسل التميمي وأخذ يسافر من بلد فيه جند من أجناد المسلمين إلى بلد آخر، ويسأل من صحابة الرسول بيان الرسول (ص) حول الايات، وكانت الصحابة يومذاك في أجناد المسلمين.
كان صبيغ يحاول أن يتعلم منهم ويقترئ عليهم ما خفي عليه من معاني القرآن وكذلك كان يفعل المهاجرون الاولون أمثال عبد الرحمن بن عوف حين كان يقرئهم ابن عباس في منى في آخر حجة حجّها عمر، أي: في شهر ذي الحجة سنة 23 للهجرة، فإنّ
المهاجرين الاولين الذين كانوا قد أسلموا بمكة، ومضى على إسلامهم أكثر من ربع قرن لم يكونوا أطفال كتاتيب يحتاجون إلى تعلّم تلاوة القرآن أضف إليه إنا رأينا الخليفة عمر يسأله عن تفسير القرآن بمحضر الصحابة.
وبذلك كان قد رشحه لتعليم تفسير القرآن كما سيأتي في بحث من تاريخ القرآن على عهد الخليفة عمر.
وكذلك نفسِّر ما جاء من مادة (قرأ) في حديث الخليفة عمر في الشهر نفسه في آخر خطبة جمعة خطبها في مسجد الرسول قبل أن يطعن.
وكذلك نفسّر ما جاء عن أئمة أهل البيت(ع) أن المهدي إذا ظهر يأمر بتعليم القرآن في مسجد الكوفة وسيأتي بيان كل ذلك كلُّ في بابه من البحوث الاتية ان شاء اللّه تعالى.
في مصطلح المسلمين:
وبناء على ما ذكرنا آنفاً فإن مادّة القراءة في المصطلح الاسلامي كانت تدل على تعلّم لفظ القرآن مع تعلّم معناه واستعمل في عصر الصحابة في المدينة بمعنى تعلم المعنى كما يظهر ذلك من كلام ابن عباس. ولمّا أمر الخليفة عمر بتجريد القرآن عن بيان الرسول (ص) ونهى عن السؤال عن معانيه، ونكلّ بمن سأل عنه ونسخ الخليفة عثمان القرآن في مصاحف مجرّدا عن حديث الرسول (ص) ووزعها في بلاد المسلمين وحرّق ما عداها انتشرت القراءة المجرّدة للقرآن.
وفي أخريات القرن الاول الهجري قام علماء العربية بتحريف القرآن وسمّوا كل تحريف (قراءة) وسمّوا كل من يعلّم تلك التحريفات المقرئ وسمّوا بعضهم المقرئ الكبير وسمّوا الّذي تعلّم تلك التحريفات القارئ وجمعه القراء أي الّذي يقرأ القرآن بتلك التحريفات.
واستمر الامر على ذلك قروناً حتى نسي معنى القراءة والاقراء في المصطلح الاسلامي الّذي كان تعلّم اللفظ والمعنى معاً.
ونتيجةً لتبدل معنى القراءة والاقراء في محاوراتهم فسروا ما جاء منها في الكتاب والسنّة ومحاورات الصحابة بالمعنى المتداول عندهم، أي: قراءة القراءات المختلفة كما سندرسها في بحث القراءات إن شاء اللّه تعالى.
نتيجة البحث:
يقال: تلا الكتاب لكتاب يجب العمل به مثل كتب اللّه المنزلة على رسله. ويقال في لغة العرب: قرأ الكتاب قراءة اذا تتبع كلماته نظراً ونطق بها.
وفي المصطلح الاسلامي:
يقال قرأ القرآن واقترأه فهو قارئ اذا تعلّم تلاوة لفظ القرآن مع بيان معانيه ومعنى أقرأه ويقرئه: عُلِّم تلاوة لفظه مع تعليم معناه فهو عندئذ: مقرئ.
ولمّا رفع الخلفاء الثلاثة شعار جردوا القرآن من حديث الرسول، وكتبوا نسخة من القرآن مجرداً عن حديث الرسول (ص)، ونسخوا عليها نسخاً، ووزعوها في بلاد المسلمين، وأحرقوا مصاحف الصحابة الّتي كان أصحابها قد دونوا فيها لفظ القرآن مع ما أخذوا من الرسول (ص) في بيان معاني آياته انتشر بين المسلمين نسخ القرآن بدون بيان الرسول (ص).
وبعد ذلك التاريخ سمِّي القرآن المجرد عن بيان الرسول (ص) بالمصحف.
إذاً فالمصحف قبل إحراق المصاحف كان اسماً للقرآن الّذي كتب معه شيء من بيان الرسول (ص) وبعد احراق المصاحف أصبح اسما للقرآن دون بيان الرسول (ص).
وبعد أن أصدر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في عام 143ه أمراً بتدوين العلوم وبدأ العلماء يدونون النص القرآني مع بيان معانيه سميت تلك المدونات بالتفسير وبقي اسم القرآن المجرد عن بيان معاني الايات بالمصحف، واشتهرت هذه التسمية على عهد الخلفاء العثمانيين بحيث أصبح القرآن والمصحف بعد ذلك كالانسان والبشر لفظين مترادفين لمعنى واحد.
هذا ما كان من شأن تحول اسم المصحف منذ صدر الاسلام إلى عصرنا الحاضر. وكذلك تبدلّ معنى القراءة والاقراء ممّا كان عليه في صدر الاسلام كالاتي بيانه:
بينا كان معنى القراءة والاقراء درس القرآن على المقرئ وتعلّم اللفظ والمعنى وعلى عهد الصحابة استعملت القراءة والاقراء بمعنى تعلّم معنى القرآن وتعليمه.
القراءات المختلفة في أخريات القرن الاول الهجري في مدرسة الخلفاء فاستعملت القراءة والاقراء في تعلّم تلك القراءات المختلفة المختلقة، حتى عصرنا الحاضر، كما سنبينه في بحث القراءات من المجلد الثاني من هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى.
* * *
كان ذلكم تطور معنى القراءة والاقراء بالنسبة إلى القرآن الكريم وفي ما يأتي ندرس بإذنه تعالى استعمال القراءة في اصطلاح المحدثين بمدرسة أهل البيت (ع) مدى القرون.