أوّلاً ـ الوحي ونزوله:
أ ـ الوحي في اللغة والمصطلح الاسلامي:
في اللغة:
أوحى إليه وله: أشار وأومأ، وكلّمه بكلام خفي يخفى على غيره، وأمره، وألهمه، وأوحى فلان الكلام إلى فلان: ألقاه إليه(107).
في المصطلح الاسلامي:
الكلمة الالهيّة الّتي يلقيها إلى أنبيائه ورسله بواسطة ملك يشاهده الرسول ويسمع كلامه، كتبليغ جبرئيل لخاتم الانبياء (ص) أو سماع كلام اللّه من غير معاينة، كسماع موسى كلام اللّه.
أو بالرؤيا في المنام كما أخبر اللّه عن قول إبراهيم لابنه اسماعيل في سورة الصافات:
(إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاء اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الاية / 102)
أو بأنواع أخرى من الوحي يعلمه اللّه وتدركه رسله صلوات اللّه عليهم أجمعين.
ومن موارد استعماله في المصطلح الاسلامي في القرآن الكريم قوله تعالى:
أ ـ في سورة النساء / 163:
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَسْبَاطِ)
ب ـ في سورة الشورى / 7:
(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا)
ج ـ في سورة المؤمنون / 27:
(فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)
د ـ في سورة الاعراف:
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)
(الاية / 117)
(... وأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ...) (الاية / 160)
ب ـ نزول الوحي وتنزيله:
1 ـ نزل نزولا:
انحطّ من علو إلى سفل مكاناً أو معنى، ونزول الكتب السماويّة بلوغها إلى من أنزلت عليه.
2 ـ تنزّل تنزلاّ:
نزل في تمهل وتدرّج.
3 ـ أنزله نزولاً ونزّله تنزيلاً:
جعله ينزل والفرق بين الانزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة ان التنزيل يخصّ بالموضع الّذي يشير إلى إنزاله ويكون
التنزيل تدريجياً بينما الانزال عامّ.
ومثال النزول من الاعلى مكاناً إلى الاسفل قوله ـ تعالى ـ في سورة النحل/65.
(وَاللّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ)
ومثال النزول المعنوي وبلوغ الكتب السماوية إلى من أنزلت عليه قوله تعالى:
أ ـ في سورة الشعراء / 193 ـ 194:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)
ب ـ في سورة طه / 2:
(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)
ومثال التنزل في تمهل وتدرج قوله تعالى في سورة فصّلت / 30:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَ تَخَافُوا وَلاَتَحْزَنُوا) ومثال الاختصاص بالموضع الّذي يشير إلى انزاله قوله تعالى:
أ ـ في سورة الانعام / 7:
(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) ب ـ في سورة الانعام / 111:
(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ...)
ومثال الانزال التدريجي قوله تعالى في سورة الاسراء / 106:
(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)
وجاء في القرآن نزل وأنزل بمعنى أوحى في قوله تعالى:
أ ـ في سورة البقرة / 4:
(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)
ب ـ في سورة آل عمران:
(وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالانْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ)
(الايات / 3 ـ 4)
ج ـ في سورة يوسف / 2:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
د ـ في سورة الانسان / 23:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً)
هـ و (نزل به) في قوله تعالى في سورة الشعراء:
(وَإِنَّه لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبِينٍ) (الايات / 192 ـ195)
كما جاء أوحى بمعنى نزل وأنزل في قوله تعالى:
أ ـ في سورة الشورى / 7:
(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنَاً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا)
ب ـ في سورة الانعام / 19:
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لاُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ)
والوحي والانزال من اللّه قد يكون معناه ولفظه وكتابته من اللّه سبحانه وينزله اللّه مرّة واحدة على رسوله كما كان شأن التوراة
حيث قال اللّه سبحانه في سورة الاعراف:
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً) (الاية / 145)
وقد يكون لفظه ومعناه من اللّه وينزل متدرجاً على الرسول (ص) كما قال سبحانه في وصف القرآن:
أ ـ في سورة المزمّل:
(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (الاية / 5)
ب ـ في سورة الاسراء:
(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الاية / 106)
وقد يوحي اللّه المعنى إلى رسوله ويبلغ الرسول (ص) المعنى بلفظه وهو بعض من سنّة الرسول أي حديثه كما روى الدارمي
بسنده وقال:
((كان جبريل ينزل على رسول اللّه بالسنّة كما ينزل بالقرآن))(108).
وكذلك كان اللّه يوحي إلى الرسول (ص) ببيان الايات مع إنزال الايات كما أخبر اللّه تعالى عن ذلك في سورة القيامة حيث قال تعالى:
(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (الاية / 17 ـ 19)
خلاصة البحث:
أوّلاً ـ الوحي:
الوحي في المصطلح الاسلامي: كلمة اللّه ـ جلّ اسمه ـ الّتي يلقيها إلى أنبيائه ورسله بسماع كلام اللّه ـ جلّ جلاله ـ دونما رؤية اللّه ـ سبحانه ـ مثل تكليمه موسى بن عمران(ع)، أو بنزول ملك يشاهده الرسول ويسمعه مثل تبليغ جبرائيل(ع) لخاتم الانبياء (ص)، أو بالرؤيا في المنام مثل رؤيا إبراهيم(ع) في المنام أنّه يذبح ابنه إسماعيل(ع)، أو بأنواع أخرى لا يبلغ إدراكها علمنا.
ثانياً ـ نزول الوحي:
أنزل اللّه وحيه وكتابه ونزّله: جعله ينزل.
وانزال القرآن والملائكة إلى محل نزوله مثل قلب النبيّ والتنزيل: إنزال تدريجي للوحي أو الكتاب والانزال عامّ.
والتنزّل: نزول في تمهل وتدرّج.
واستعمل نزول وأنزل في القرآن الكريم بمعنى أوحاه، وكذلك العكس.
ثالثاً ـ ما أوحى اللّه إلى رسله:
ينقسم ما أوحى اللّه إلى رسله إلى قسمين:
أ ـ ما أوحي إليهم لفظه ومعناه وكان ذلك شأن كتبه الّتي أنزلها إلى رسله وأخرها القرآن الكريم.
ب ـ ما أنزل اللّه المعنى وبلّغته رسله بلفظهم وهذا ما يسمى بالمصطلح الاسلامي سنّة الرسول ومن جملتها أحاديث الرسول
(ص) في تفسير آي القرآن وبيان مجملها ومتشابهها.