ج ـ في ما يخص الصحابة:

مما نزل في شأن الصحابة في مكّة

قوله تعالى في سورة النمل:

(مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالايمَانِ وَلكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الاية / 106)

(أخرج عبدالرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه، حتى سبَّ النبيّ (ص) وذكر آلهتهم بخير، ثمّ تركوه، فلما أتى رسول اللّه (ص) قال: ما وراءك شيء؟

قال: شر ما تركت حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير.

قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان.

قال: إن عادوا فعد. فنزلت: (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالايمَانِ)

وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين ((إن النبيّ (ص) لقى عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه ويقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا... فإن عادوا فقل ذلك لهم)).

وأخرج ابن جرير و ابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الاية (إِلاّمَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالا يمَانِ) نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر وقالوا: أكفر بمحمد (ص) فاتبعهم على ذلك وقلبه كاره فنزلت)(91).

ممّا نزل في شأن الصحابة في المدينة

1 ـ آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَتَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُم لاَتَشْعُرُونَ) (الحجرات / 2)

في صحيح البخاري في سورة الحجرات عن عبداللّه بن الزبير، أخبرهم أنّه قدم ركب من بني تميم على النبيّ (ص)، فقال أبو

بكر: أمِّر القعقاع بن معبد.

وقال عمر بل أَمِّر الاقرع بن حابس.

فقال أبو بكر: ما أردتَ إلى أَو إلاّ خلافي.

فقال عمر: ما أردتُ خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتُهما، فنزل في ذلك يا أيّها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي اللّه ورسوله، حتّى انقضت الاية. (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)(92).

وفي حديث قبله:

كاد الخيّران ان يهلكا: ابا بكر وعمر.

2 ـ آية: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران / 155)

في تفسير الاية بتفسير الطبري والسيوطي عن ابن اسحاق انّه قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ). فلان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان الانصاريان، ثمّ الزرقيان.

وقد كان الناس انهزموا عن رسول اللّه (ص) حتّى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الاغوص، وفر عقبة بن عثمان، حتى بلغوا الجلعب ـ جبل بناحية المدينة مما يلي الاغوص ـ فأقاموا به ثلاثاً، ثمّ رجعوا إلى رسول اللّه (ص)، فزعموا أن رسول اللّه (ص) قال:

((لقد ذهبتم فيها عريضة))(93).

وفي تفسير السيوطي: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبدالرّحمن بن عوف (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)

قال: هم ثلاثة. واحد من المهاجرين، واثنان من الانصار(94).

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) قال: نزلت في رافع بن العلى وغيره من الانصار، وأبي حذيفة بن عتبة، ورجل آخر(95).

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان الّذين ولوا الدبر يومئذ: عثمان ابن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، أخوان من الانصار من بني زريق.

وكان فرار عثمان يوم أحد ممّا يعاب عليه كما عابّ عليه عبدالرّحمن بن عوف فأجاب عثمان كيف يعيرني وقد عفا اللّه عني فقال (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ...)(96).

وقال الرازي في تفسير الاية: واعلم أن المراد: أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين وفارقوا المكان، وانهزموا قد عفا اللّه عنهم.

اختلفت الاخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن تولى، فذكر محمد بن اسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا، واختلفوا في المنهزمين، فقيل: ان بعضهم ورد المدينة وأخبر أن النبيّ (ص) قتل، وهو سعد ابن عثمان، ثمّ ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم، وجعل النساء يقلن: عن رسول اللّه (ص) تفرون!

وكن يحثين التراب في وجوههم، ويقلن: هاك المغزل اغزل به، ومنهم قال: انّ المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال والّذي تدل عليه الاخبار في الجملة أن نفرا منهم تولوا وأبعدوا، فمنهم من دخل المدينة ، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب، وأما الاكثرون فانّهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هناك ومن المنهزمين عمر، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبيّ (ص)، ومنهم أيضاً عثمان انهزم مع رجلين من الانصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيداً، ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبيّ (ص) ((لقد ذهبتم فيها عريضة))(97).

دراسة الخبر:

في الرواية الاولى فلان وسعد وعقبة الانصاريان.

وفي خبر ما كن يعيبه عبد الرحمن بن عوف على عثمان نفهم انّه كان عثمان الّذي أصبح بعد ذلك خليفة، ولم يستحسنوا ذكر اسمه.

3 ـ آية: (يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات / 6)

في تفسير الاية بتفسير الطبري والسيوطي عن أم سلمة(رض) قالت: بعث النبيّ (ص) الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول اللّه (ص)، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول اللّه (ص)، فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول اللّه (ص) فقالوا: نعوذ باللّه من سخط اللّه وسخط رسوله بعثت إلينا رجلاً مصدقاً، فسررنا لذلك، وقرّت أعيننا ثمّ إنّه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من اللّه ورسوله، ونزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ...) الاية(98).

4 ـ آية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُوْنِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الانعام / 93)

أخرج السيوطي عن أبي خلف الاعمى قال: كان ابن أبي سرح يكتب للنبي (ص) الوحي، فأتى أهل مكّة، فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟

قال: كنت أكتب كيف شئت، فأنزل اللّه (ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذباً)(99).

وفي المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبداللّه بن أبي سرح (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء) الاية.

فلمّا دخل رسول اللّه (ص) مكّة فرَّ إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتّى اطمأن أهل مكّة، ثمّ استأمن له(100).

5 ـ آية: (... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الِّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالْشَجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً)

(الاسراء / 60)

وفي تفسير الطبري والسيوطي بسندهما عن سهل بن سعد قال: رأى رسول اللّه (ص) بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، وأنزل اللّه (ومَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلاّفِتْنَةً لِّلنَّاسِ)(101).

وفي تفسير السيوطي عن ابن أبي حاتم بسنده عن يعلى بن مرة قال: قال: رسول اللّه (ص): أُريت بني أميّة على منابر الارض وسيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء.

واهتمّ رسول اللّه (ص) لذلك: فأنزل اللّه (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلافِتْنَةً لِلنَّاسِ)(102).

وفي تفسير السيوطي عن ابن مردويه بسنده عن الحسين بن علي: ان رسول اللّه (ص) أصبح وهو مهموم، فقيل: مالك يا رسول اللّه؟ فقال: ((إنّي أريت في المنام كأنّ بني أمية يتعاورون منبري هذا)).

فقيل: يا رسول اللّه، لا تهتم فإنّها دنيا تنالهم. فأنزل اللّه: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)(103).

وفي تفسير السيوطي عن ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر: أنّ النبيّ (ص) قال: رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة وأنزل اللّه في ذلك (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيْنَاكَ إِلا فَتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) يعني: الحكم وولده(104).

وفي تفسير السيوطي عن ابن عساكر وغيره بسندهم عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول اللّه (ص) بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فأوحى اللّه إليه (إنّما هي دنيا أعطوها)، فقرت عينه، وهي قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)(105).

وفي تفسير السيوطي عن ابن مردويه بسنده عن عائشة. أنّها قالت لمروان ابن الحكم: سمعت رسول اللّه يقول لابيك وجدك:

إنّكم الشجرة المعلونة في القرآن(106).

دراسة الخبر:

في الرواية رأى رسول اللّه (ص) بني فلان ينزون على منبره. فمن هم بنو فلان؟

هم بنو أمية الذين أصبحوا بعد الرسول ولاة المسلمين ولذلك لم يصرح الراوي بذكرهم.


91 السيوطي 4 / 132.

92 صحيح البخاري كتاب التفسير تفسير سورة الحجرات 3 / 190 ـ 191.

93 تفسير الطبري 4 / 96، والسيوطي 2 / 89.

94 الدر المنثور للسيوطي 2 / 88 ـ 89.

95 تفسير الطبري 4 / 96.

96 الدر المنثور للسيوطي 2 / 88 ـ 89.

97 تفسير الفخر الرازي 9 / 50.

98 تفسير الطبري 26 / 78، وتفسير السيوطي 6 / 88 ـ 92.

99 الدر المنثور للسيوطي 3 / 30.

100 المستدرك للحاكم 3 / 45 ـ 46.

101 تفسير الطبري 15 / 77 والدر المنثور للسيوطي 4 / 191.

102 تفسير السيوطي 4 / 191.

103 تفسير السيوطي 4 / 191.

104 تفسير الدر المنثور للسيوطي 4 / 191.

105 تفسير الدر المنثور للسيوطي 4 / 191.

106 تفسير الدر المنثور للسيوطي 4 / 191.