ج ـ من كتب لرسول اللّه (ص):
قال البلاذري في فتوح البلدان:
أول من كتب لرسول اللّه (ص) مقدمه المدينة أُبيّ بن كعب الانصاري، وهو أوّل من كتب في آخر الكتاب، وكتب فلان، فكان
أُبي، إذا لم يحضر دعا رسول اللّه (ص) زيد بن ثابت الانصاري، فكتب له فكان أُبيّ وزيد يكتبان الوحي بين يديه، وكتبه إلى من يُكاتب من الناس، وما يُقطِع وغير ذلك.
قال الواقدي: وأول من كتب له من قريش عبداللّه بن سعد بن أبي سرح، ثمّ ارتدَّ ورجع إلى مكّة، وقال لقريش: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد، وكان يملّ عليه الظالمين، فيكتب الكافرين، يملّ عليه سميع عليم، فيكتب غفور رحيم وأشباه ذلك، فأنزل اللّه:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللّه) (الانعام / 93)
فلمّا كان يوم فتح مكّة أمر رسول اللّه (ص) بقتله، فكلّمه فيه عثمان بن عفَّان وقال: أخي من الرضاع، وقد أسلم فأمر رسول اللّه (ص) بتركه، وولاّه عثمان مصر، فكتب لرسول اللّه (ص) عثمان بن عفان وشُرحبيل بن حسنة الطابخي من خِنْدِف حليف قريش، ويقال بل هو كندي. وكتب له جُهَيم بن الصَّلت بن مخرمة، وخالد بن سعيد وابان بن سعيد بن العاصي، والعلاء بن الحضرمي، فلما كان عام الفتح اسلم معاوية، كتب له أيضاً، ودعاه يوماً وهو يأكل فابطأ، فقال: لا أشبع اللّه بطنه، فكان يقول: لحقتني دعوة رسول اللّه (ص) وكان يأكل في اليوم سبع أكلات وأكثر وأقل.
وقال كتب حنظلة بن الربيع بن رباح الاسيدي من بني تميم بين يدي رسول اللّه (ص) مرّة، فسمّي حنظلة الكاتب.
تعلم كتابة اليهود:
وقال: زيد بن ثابت: أمرني رسول اللّه (ص) أن أتعلَّم له كتاب يهود، وقال لي: انّي لا آمن يهوداً على كتابي، فلم يمرَّ بي نصف شهر حتى تعلمته، فكنت اكتب له إلى يهود وإذا كتبوا إليه قرأت كتابهم(5).
وفي فتوح البلدان:
قال الرسول (ص) لزيد بن ثابت: ((يا زيد: تعلم لي كتابة يهود فإني ما آمنهم على كتابي)).
قال: فحذقته في نصف شهر(6).
* * *
واهتم الرسول بنشر الكتابة في المدينة، وجعل فدية من يعرف الكتابة من سبعين أسيراً في غزوة بدر تعليم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة الكتابة.
ومن النساء كانت تكتب حفصة زوجة الرسول وأم كلثوم ابنة عقبة وعائشة ابنة سعد وكريمة ابنة المقداد وزوجتا الرسول عائشة وأم سلمة كانتا تقءران ولا تكتبان(7).
كان في الصحابة جمع يكتبون لرسول اللّه (ص) في المدينة عدّ منهم البلاذري من ذكرناه في فصل من كتب لرسول اللّه (ص) وأضاف إليهم ابن سيد الناس (ت: 734 ه) في فصل ذكر كتابه (ص) من عيون الاثر وقال:
أبو بكر وعمر وعلي وعامر بن فهيرة وعبداللّه بن الارقم وثابت بن قيس ابن شماس والمغيرة بن شعبة وعبداللّه بن زيد وجهيم بن الصلت والزبير بن العوام وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبداللّه بن رواحة ومحمد بن مسلمة وعبداللّه بن عبداللّه بن أُبي ومعيقيب بن أبي فاطمة وطلحة بن عبيداللّه ويزيد بن أبي سفيان والارقم بن أبي الارقم والعلاء بن عتبة وأبو أيوب الانصاري خالد بن زيد وبريدة بن الحصيب والحصين بن نمير وأبو سلمة عبداللّه بن عبد الاسد وحويطب بن عبد العزي وأبو سفيان بن حرب وحاطب ابن عمر وكتب له عبداللّه بن سعد بن أبي سرح، ثمّ ارتد ورجع إلى مكّة وكذب على رسول اللّه، فنزلت فيه: (وَمَنْ أظَلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً)(8).
وبين المؤرخ الثبت المسعودي في التنبيه والاشراف (ص / 245 ـ 246) ما كان يكتب كل منهم وقال:
كان خالد بن سعيد بن العاص بن امية يكتب بين يديه في سائر ما يعرض من أموره والمغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان أيضاً فيما يعرض من حوائجه، وعبداللّه بن الارقم بن عبد يغوث الزهري، والعلاء بن عقبة يكتبان بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات، والزبير بن العوام، وجهيم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وحذيفة بن اليمان يكتب خرص الحجاز، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي يكتب مغانم رسول اللّه (ص)، وكان عليها من قبله وزيد بن ثابت الانصاري ثمّ الخزرجي من بني غنم بن مالك بن النجار يكتب إلى الملوك، ويجيب بحضرة النبيّ (ص) وكان يترجم للنبي (ص) بالفارسية والرومية والقبطية والحبشة، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الالسن، وكان حنظلة بن الربيع بن صيفي الاسيدي التميمي يكتب بين يديه (ص) في هذه الامور إذا غاب من سمينا من سائر الكتاب ينوب عنهم في سائر ما ينفرد به كل واحد منهم، وكان يدعى حنظلة الكاتب، توفي في خلافة عمر ابن الخطاب.
وكتب له عبداللّه بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي بن غالب ثمّ لحق بالمشركين بمكة مرتدا، وكتب له شرحبيل بن حسنة الطابخي، وكان أبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي ربما كتبا بين يديه، وكتب له معاوية قبل وفاته باشهر، وإنما ذكرنا من أسماء كتابه (ص) من ثبت على كتابته واتصلت أيامه فيها وطالت مدته وصحت الرواية على ذلك من أمره من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك ان يسمى كاتباً ويضاف إلى جملة كتابه.
دراسة الخبر:
وصف العلماء هذا العدد الكبير بكتاب الوحي وأحياناً وصفوا الواحد منهم يكاتب الوحي ويصدق هذا الوصف عليهم جميعاً وعلى الواحد منهم كذلك في ما اذا كان رسول اللّه (ص) قد عينهم لتدوين القرآن بينما نجد المسعودي عندما يذكر نوع عملهم في الكتابة لم يخص أحداً بذكر كتابة القرآن ومن ثمّ نعرف أنهم جميعاً كانوا يكتبون ما نزل من القرآن كسائر الكتبة من الصحابة وسنذكر في ما يأتي أن نسخة من القرآن كان في بيت الرسول (ص) وأمر الامام علي بجمعه بعد وفاته ولعله كان قد أمره في حال حياته بكتابة تلك النسخة ثمّ أمره بعد وفاته بجمعها بعد أن كانت مكتوبة على قطع مختلفة.
كان ذلك شأن الكتابة والكتاب على عهد رسول اللّه (ص) في المدينة وفي ما يأتي خبر النظام الّذي سنه لرسول في تدوين القرآن.