من قرأ القرآن على النبيّ ومن جمعه على عهده ومن كتبه من الصحابة:
أقرأ الرسول جميع الصحابة ما تيسر له من القرآن أداء لواجبه التبليغي وقرأ عليه جميع الصحابة ما تيسر لهم من القرآن أداء لواجبهم الاسلامي أمّا من جمع منهم القرآن على عهده (ص) وكتب فلا يمكن إحصاؤهم وما جاء في بعض الروايات من جمع القرآن على عهد الرسول (ص) أو كتب ليس من باب الحصر والاحصاء وإنّما ذكرت أسماؤهم لمناسبة في المقام وما جاء عن الصحابي أنس بن مالك فيحصر من جمع القرآن على عهد الرسول (ص) ببعض الانصار مردود كما نبينه في ما يأتي باذنه تعالى:
قول الصحابي أنس في من جمع القرآن على عهد النبيّ (ص)
في صحيح البخاري عن أنس أنه قال:
مات النبيّ (ص) ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال ونحن ورثناه(58).
وفي رواية أخرى:
عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبيّ (ص) قال أربعة كلّهم من الانصار: أُبيّ بن كعب ومعاذ بن
جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد(59).
وفي رواية:
قال قتادة: قلت: من أبو زيد قال: أحد عمومتي(60).
دراسة الحديث:
نرى أنّه اعتمد أحاديث الصحابي أنس من قال: بحصر جمع القرآن على الانصار مثل الشعبي(61) ومحمد بن كعب القرظي(62) وابن كثير(63) وغيرهم(64).
وقد أنكر العلماء على أنس هذا القول وحاول بعضهم توجيهه مثل: السندي في حاشيته على الرواية الاولى في صحيح البخاري حيث قال:
((أي لم يجمعه غيرهم في علمي، أو من الاوس، وإلاّ فقد كان ممن يجمعه إذ ذاك كثير من الصحابة، كما هو معلوم))(65).
وقال القرطبي في تفسيره:
قال ابن الطيّب(رض): لا تدل هذه الاثار على أن القرآن لم يحفظه في حياة النبيّ (ص) ولم يجمعه غير أربعة من الانصار كما قال أنس بن مالك، فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعليّ وتميم الداري وعبادة بن الصامت وعبداللّه بن عمرو بن العاص. فقول أنس: لم يجمع القران غير أربعة، يحتمل أنه لم يجمع القرآن وأخذه تلقيناً من في رسول اللّه (ص) غير تلك الجماعة؛ فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه عن غيره، وقد تظاهرت الروايات بأن الائمة الاربعة جمعوا القرآن على عهد النبيّ (ص) لاجل سبقهم إلى الاسلام، وإعظام الرسول (ص) لهم(66).
وفي البرهان للزركشي:
وقال الماوردي: وكيف يمكن الاحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة، والصحابة متفرقون في البلاد! وإن لم يكمله سوى أربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون.
قال الشيخ: وقد سمى الامام أبو عبيد القاسم بن سلام القُرّاء من الصحابة في أول كتاب القراءات له، فسمى عدداً كثيراً(67).
وفي عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري:
إنّ قصارى الامر أن أنساً قال جمع القرآن على عهده (ص) أربعة قد يكون المراد إني لا أعلم سوى هؤلاء ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين كتاب اللّه تعالى(68).
وروى في الاتقان عن البخاري:
وفيه ـ في الحديث الاول ـ المخالفة لحديث قتادة من وجهين أحدهما التصريح بصيغة الحصر في الاربعة والاخر ذكر أبي الدرداء بدل أُبي بن كعب وقد استنكر جماعة من الائمة الحصر في الاربعة وقال المازري لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الامر كذلك لان التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه وإلاّ فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد وهذا لا يتم إلاّ إن كان لقى كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبيّ (ص) وهذا في غاية البعد في العادة وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك قال وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه.
وقال القرطبي قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء وقتل في عهد النبيّ (ص) ببئر معونة مثل هذا العدد وإنما خص أنس الاربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم(69).
ويرد على قول أنس بالاضافة إلى ما ذكروا:
إنّ المهاجرين سبقوا الانصار إلى الاسلام عشر سنوات وأكثر من ذلك أو أقلّ، فكيف لم يكن فيهم مهاجريّ واحد قد جمع القرآن، وقد كان الصحابة الاتية أسماؤهم ممّن جمع القرآن على عهد النبيّ (ص):
أ ـ علي بن أبي طالب(70).
ب ـ سعد بن عبيد بن النعمان بن زيد.
ج ـ أبو الدرداء عويمر بن زيد.
د ـ أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان.
ه ـ عبيد بن معاوية بن زيد بن الضحاك.
و ـ أمّ ورقة بنت عبداللّه.
* * *
ينقسم الذين جمعوا القرآن على عهد رسول إلى صنفين منهم من اشتهروا بذلك وهم من مشاهير الصحابة وفي مقدمتهم الامام علي وفي ما يأتي نورد مثالاً بخبر واحد من أخبار من اشتهر بالقراءة والاقراء من المهاجرين.
جاء في كنز العمال:
عن زِرّ بن حُبََيش قال: قرأتُ القرآن من أوله إلى أخره على علي بن أبي طالب، فلما بلغتُ الحواميم قال: لقد بلغتُ عرائس القرآن، فلما بلغتُ رأسَ ثنتين وعشرين آية من حمعسق (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ) الاية بكى حتّى ارتفع نحيبه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: يا زِرُّ أمِّن على دعائي، ثمّ قال: اللّهمّ إنِّي أسألك إخبات المخبتين، واخلاص الموقنين، ومرافقة الابرار ...
وقال في آخر الدعاء:
يا زرّ إذ ختمت فادع بهذه فانّ حبيبي رسول اللّه (ص) أمرني أن أدعو بهنّ عند ختم القرآن.
وزِرّ بن حُبَيش أبو مريم أبو مطرف الكوفي مخضرم أدرك الجاهلية. روى عن عمر وعثمان وعلي وأبي ذر.
قال ابن سعد وابن معين: كان ثقة كثير الحديث وكان عالماً بالقرآن توفي سنة 83 وعمره 128(71).
وهذا الحديث يدل على أنّ الامام علياً كان قد جمع القرآن كلّه على عهد الرسول (ص) أمّا عن ظهر قلب أو مكتوباً في نسخة ولما علمنا في ما ذكرناه في المجلد الثاني من معالم المدرستين وما سيأتي ذكره في المجلد الثاني من هذا الكتاب أن الرسول (ص)
والامام علي كانا يجتمعان يوميا ويملي الرسول (ص) عليه ما أوحي إليه خلال تغيب أحدهما عن الاخر فلابدّ أن يكون الامام علي قد أخذ القرآن من الرسول (ص) وعلى أي حال فان الحديث يدل على أن الامام عليّا كان يختم القرآن على عهد الرسول (ص)، وممّن أقرأ القرآن غيره.
ويضاف إلى المشهورين من القرّاء في الصحابة القرّاء السبعون من أصحاب الرسول (ص) الاتي خبرهم: