أثر كيفية إقراء الرسول (ص) في عصره:
كان لما قاله الرسول (ص) وفعله في شأن إقراء القرآن أبلغ الاثر في الصحابة وسائر المسلمين في عصره وبعده. أما في عصره فقد روى عقبة بن عامر الجهني وقال:
خرج علينا رسول اللّه (ص) ذات يوم ونحن نتدارس القرآن، قال: تعلّموا القرآن، واقتنوه، فإنّه أشد تفلتا من المخاض في عقلها.
أي: أشدّ تفلتاً من الناقة المشدودة بالعقال ساعة الولادة(38):
وكانوا يقرئون أبناءهم ونساءهم القرآن، فقد روى أحمد وابن ماجة عن زياد بن لبيد الانصاري أنّه قال:
ذكر النبيّ (ص) شيئاً، فقال ((ذاك عند أوان ذهاب العلم)).
قال: قلت: يا رسول اللّه وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟
قال.... أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والانجيل لا يعلمون بشيء مما فيهما(39).
إهتمام الرسول (ص) بالسور الطوال
وكان الرسول (ص) يعني بسورة البقرة عناية خاصة ثمّ ما بعدها من السور الكبار ومن موارد ذلك ما رواه.
البيهقي وأحمد بسندهما، رويا عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت:
((كنت أقوم مع رسول اللّه (ص) في الليل، فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء فاذا مر بآية فيها استبشار، دعا ورغب، وإذا مر بآية فيها تخويف، دعا واستعاذ))(40).
وفي سنن البيهقي: عن عوف بن مالك الاشجعي قال: قمت مع رسول اللّه (ص) ليلة، فقام فقرأ البقرة لا يمر بآية رحمة، إلاّ وقف، فسأل، ولا يمر بآية عذاب، إلاّ وقف، فتعوّذ، ثمّ ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ثمّ سجد بقدر قيامه ثمّ قال في سجوده مثل ذلك ثمّ قام فقرأ بآل عمران ثمّ قرأ سورة سورة(41).
ويرغّب المسلمين في استظهار سورة البقرة كما جاء في صحيح مسلم ومسند أحمد بسندهما عن أبي امامة الباهلي قال:
سمعت رسول اللّه (ص) يقول: اقرؤوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعاً لاصحابه.
اقرؤوا الزهراوين سورة البقرة وسورة آل عمران، فانهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو كأنهما غمامتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، اقرؤوا سورة البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها بطلة(42).
وفي صحيح مسلم وسنن النسائي والبيهقي ومسند أحمد بسندهم عن حذيفة قال: صلَّيت مع رسول اللّه (ص) ليلة من رمضان، فافتتح البقرة، فقلت يصلي بها ركعة، ثمّ افتتح النساء، فقرأها ثمّ افتتح آل عمران، فقرأها مترسلاً اذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوّذ تعوذ، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه للّه عز وجل سبح(43).
وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي ومسند أحمد بسندهم عن نواس بن سمعان قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمهم سورة البقرة وآل عمران قال: وضرب لهما رسول اللّه (ص) ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما ظلتان سوداوان بينهما شرف أو كأنهما فرقان من طير صوافّ يحاجان عن صاحبهما(44).
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن الدارمي ومستدرك الحاكم وصححه الذهبي عن بريدة قال: قال رسول اللّه (ص): تعلموا سورة البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: تعلموا سورة البقرة، وآل عمران فانهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما اقرؤوا سورة البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة(45).
وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي ومسند أحمد ومستدرك الحاكم واللفظ للاوّل عن أبي هريرة أن رسول اللّه (ص) قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إنّ الشيطان ينفر من البيت الّذي يقرأ فيه سورة البقرة ولفظ الترمذي: وإن البيت الّذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان وفي لفظ الحاكم عن عبداللّه عن الرسول (ص) اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم فان الشيطان لا يدخل بيتاً تقرأ فيه سورة البقرة(46).
إضافة إلى ما قاله الرسول (ص) لاصحابه في فضائل استظهار سورة البقرة جعل لمن حفظها عن ظهر قلب ميزة على غيره ومرّ
بنا آنفاً ان أبا هريرة قال:
بعث رسول اللّه (ص) بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل منهم يعني ما معه من القرآن فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنّاً فقال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. قال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: واللّه ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلاّ خشية أن لا أقوم بها فقال رسول اللّه (ص) تعلموا القرآن واقرؤوه فان مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه في كل مكان ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مسك(47).
وفي غزوة حنين قال ابن كثير:
كان رسول اللّه (ص) لما غشيه القوم قام في الركابين ... ونادى أصحابه فقال ... يا بني الخزرج يا أصحاب سورة البقرة وأمر من
أصحابه من ينادي بذلك(48).
وفي عيون الاثر عن العباس بن عبد المطلب ما موجزه: إني لمع رسول اللّه (ص) آخذ بحكمة بغلته وقد شجرتها بها. قال وكنت امءراً جسيماً شديد الصوت فقال: يا عباس! اصرخ يا معشر الانصار ...(49).
وفي كنز العمال:
فنادى العباس: اين المهاجرون اين أصحاب سورة البقرة بصوت عال(50).
هكذا جعل رسول اللّه (ص) لحفظ سورة البقرة عن ظهر قلب شأناً عظيماً، فاهتم المسلمون بذلك.
وفي مسند أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال:
كان الرجل اذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا، يعني عظم.
وفي رواية يعد فينا عظيماً(51).
وجاء في فضل السبع الاول من القرآن الكريم في كنز العمال 1 / 572 الحديث 2584:
((من أخذ السبع الاول من القرآن فهو خيرٌ)).
وعلى أثر ذلك تسابق الصحابة في استظهار سورة البقرة.
فقد روى القرطبي في تفسير سورة البقرة بسنده وقال:
تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا وفي رواية بعدها شكر اللّه وان عبداللّه بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها(52).
وفي موطأ مالك:
عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزوراً.
وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه ان عبداللّه بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها(53).
وفي تفسير السيوطي:
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف عن عروة قال كان شعار أصحاب النبيّ (ص) يوم مسيلمة يا أصحاب سورة البقرة(54).
وذكر الرسول (ص) أهمية سورة هود وأخواتها وقال كما في كنز العمال (1 / 573):
أ ـ الحديث 2586 ـ شيبتني هودٌ وأخواتُها.
ب ـ الحديث 2587 ـ شيبتني هودٌ وأخواتها الواقعةُ والحاقةُ وإذا الشمسُ كورت.
ج ـ الحديث 2588 ـ شيبتني هودٌ والواقعةُ والمرسلاتُ وعمَّ يتساءلون وإذا الشمسُ كورت.
د ـ الحديث 2589 ـ شيبتني هودٌ وأخواتها قبل المشيب.
ه ـ الحديث 2590 ـ شيبتني سورة هودٍ وأخواتها الواقعة والحاقة وإذا الشمسُ كورت وسأل سائلٌ.
و ـ الحديث 2591 ـ شيبتني هودٌ وأخواتها وما فعل الامم قبلي.
وذكر (ص) أهمية سور أخرى وقال (ص):
عن واثلة بن الاسقع أن النبيّ (ص) قال: أعطيت مكان التوراة السبع وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الانجيل المثاني وفضلت بالمفصل(55).
وأخرج الدارمي: قال عبداللّه السبعُ الطوال مثل التوراة والمئين مثل الانجيل والمثاني مثل الزبور وسائر القرآن بعدُ فضل(56).
وقال السيوطي في خاتمة النوع الثامن عشر لجمع القرآن وترتيبه ما موجزه:
السبع الطوال أولها البقرة وآخرها براءة كذا قال جماعة. وعن ابن عباس قال السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والانعام والاعراف والسابع الكهف (والمئون) ما وليها سميت بذلك لان كل سورة منها تزيد على مائة أية أو تقاربها (والمثاني) ما ولي المئين (والمفصل) ما ولي المثاني من قصار السور وآخره سورة الناس بلا نزاع(57).
* * *
كان ذلكم بعض أخبار كيفية إقراء الرسول (ص) القرآن لاصحابه وحثه إياهم على حفظه عن ظهر قلب وأخبار اهتمامه ببعض السور وفي ما يأتي نبين بعض أخبار من قرأ القرآن على النبيّ (ص) وجمعه وكتبه على عهده.