ثالثاً ـ نظام المفاضلة بالقرآن:
سنّ رسول اللّه (ص) نظام المفاضلة بين المسلمين بمقياس القراءة للقرآن ومن جملتها الموارد الّتي نذكرها في ما يأتي:
أ ـ تعيين الاكثر قراءة للقرآن إماماً للجماعة.
كثرت الروايات والاخبار في هذا الصدد ونحن نقتصر على ذكر خبر واحد منها كالاتي:
روى أبو داود في سنننه وأحمد في مسنده وابن سعد في طبقاته وغيرهم واللفظ لابن سعد قال:
قال عمرو بن سلمة بن قيس الجَرْمي:
كنّا بحضرة ماء، ممرّ الناس عليه، وكنّا نسألهم ما هذا الامر؟ ـ يقصد أنّهم كانوا يسألون عن خبر بعثة النبيّ (ص) ـ فيقولون: رجلٌ زعم أنّه نبيّ وأنّ اللّه أرسله، وأنّ اللّه أوحى إليه كذا وكذا ـ يقصد أنّهم كانوا يقرؤون عليهم بعض ما سمعوه من القرآن ـ قال: كنت أتلقّى الركبان فيقرؤوني الاية.
قال: فجعلت لا أسمع شيئاً من ذلك إلاّ حفظته كأنّما يُغرى في صدري بغراء، حتى جمعت فيه قرآناً كثيراً(25).
وفي مسند أحمد: وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكّة.
وفي طبقات ابن سعد:
يقولون: انظروا، فإن ظهر عليهم فهو صادق وهو نبيّ، فلما جاءتنا وقعة الفتح ـ فتح مكّة ـ بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حوائنا ذلك ـ الحواء بيوت مجتمعة للناس على ماء ـ وأقام مع رسول اللّه (ص)، ما شاء اللّه أن يقيم.
قال: ثمّ أقبل، فلما دنا منّا تلقّيناه فلمّا رأيناه قال: جئتكم واللّه من عند رسول اللّه (ص) حقّاً ثمّ قال: انّه يأمركم بكذا وكذا وينهاكم عن كذا وكذا وأن تصلّوا صلاة كذا وكذا في حين كذا وإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآناً.
قال: فنظر أهل حوائنا، فما وجدوا أحداً أكثر قرآناً منّي للّذي كنت أحفظه من الركبان.
قال: وأنا يومئذ غلام عليّ شملة، فدعوني، فعلموني الركوع والسجود فقدموني بين أيديهم.
قال وكان عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلّصت عنّي، فقالت امرأة من الحيّ: ألا تغطّون عنّا است قارئِكم.
قال: فكسوني قميصاً من معقّد البحرين، فما فرحت بشيء أشدّ من فرحي بذلك القميص.
وفي سنن أبي داود قال: وأنا ابن سبع سنين أو ثماني سنين.
قال: فما شهدت مجمعاً من جَرْم ـ يقصد قبيلته ـ إلاّ كنت إمامهم وكنت أصلّي على جنائزهم.
وفي رواية: لم يزل يؤمهم إلى زمن معاوية(26).
وجاء عن أبي هريرة أنّه قال:
بعث رسول اللّه (ص) بعثاً وهم ذو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كلّ رجل منهم ما معه من القرآن فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنّاً فقال ما معك يا فلان قال معي كذا وكذا وسورة البقرة قال: أمعك سورة البقرة؟ فقال نعم. قال: فاذهب فأنت أميرهم فقال رجل من أشرافهم واللّه يا رسول اللّه ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلاّ خشية ألاّ أقوم بها فقال رسول اللّه (ص) تعلموا القرآن فأقرأوه وأقرئوه فإنّ مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح بريحة كلّ مكان ومثل من تعلمه فيرقدُ وهو في جوفه كمثل جراب وكيء على مسك(27).
وفي تفسير السيوطي عن الدلائل للبيهقي: عن عثمان بن أبي العاص قال استعملني رسول اللّه (ص) وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك انّي كنت قرأت سورة البقرة(28).
ب ـ المفاضلة بعد الحياة وفي القبر.
لما كان يوم أحد وأمر رسول اللّه (ص) بدفن الشهداء في أحد قال (ص) أنظروا أكثر هؤلاء جمعاً للقرآن. فاجعلوه أمام أصحابه في القبر، وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد(29).
ج ـ يوم القيامة.
قال رسول اللّه (ص) اقرؤوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعاً لاصحابه(30).
د ـ في الجنة.
في مسند أحمد والترمذي:
يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتّل في الدنيا، فانّ منزلتك عند آخر آية ـ أي: يقال ذلك لصاحب القرآن في الجنة(31).
وفي سنن الدارمي:
انّ الّذي يقرأ القرآن وهو ماهر به، فهو مع السفرة الكرام البررة، والّذي يقرؤه وهو يشتد عليه ـ أو هو عليه شاق ـ فله أجران(32).
من تعلم القرآن، فاستظهره، وحفظه، أدخله اللّه الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته(33).
وقال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه، ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم اللّه فيمن عنده ...(34).
واجمع كلام للرسول (ص) في المفاضلة قوله:
إنّ أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه.
وفي رواية:
خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه(35).
وقال: إنّ أهل القرآن هم أهل اللّه وخاصته(36).
وفي كنز العمال كتاب الاذكار، باب في فضائل القرآن (2 / 187):
عن أنس بن مالك قال قال رسول اللّه (ص): يا حملة القرآن ان أهل السّموات يذكرونكم عند اللّه فتحببوا إلى اللّه بتوقير كتاب اللّه يزدكم حباً ويحببكم إلى عباده.
وفي ص 523 منه الحديث:
حملة القرآن هم المعلّمون كلام اللّه والمتلبسون بنور اللّه، من والاهم فقد والى اللّه، ومن عاداهم فقد عادى اللّه.
وفي رواية 2295:
حملة القرآن أولياء اللّه...
وحملة القرآن من حفظ جميع القرآن عن ظهر قلب.
وفي ص 538 منه الحديث 2414:
من ختم القرآن عن ظهر قلبه أو نظراً أعطاه اللّهُ شجرةً في الجنة.
ونظراً: أي ختم القرآن في المصحف.
وفي ص 536 منه: الحديث 2407:
من قرأ القرآن نظراً متع ببصره.
وفي ص 531 الحديث 2077:
يا عليّ تعلم القرآن وعلمه الناس فلك بكل حرفٍ عشر حسناتٍ فان مِتَّ مِتَّ شهيداً، يا عليُّ تعلَّم القرآن وعلّمه الناس فإن مِتَّ حَجَّتِ الملائكةُ إلى قبرك كما تَحُجُّ الناس إلى بيت اللّه العتيق.
وفي ص 538 الحديث 2416:
من قرأ القرآن في سبعةٍ كُتبهُ اللّهُ من المحسنين ولا تقرؤوا في أقلِ من ثلاثةٍ فمن وجد منكم نشاطاً فليجعله في حُسن تلاوته.
وممّا يتبع باب المفاضلة ما نجده في سيرة الرسول (ص) من انتهازه الفرص لنشر الاقراء بين المسلمين مثل ما رواه البخاري وغيره واللفظ للبخاري:
قال: أتت النبيّ (ص) امرأة، فقالت: انها وهبت نفسها للّه ولرسول اللّه(ص).
فقال: ما لي في النساء من حاجة.
فقال رجل زوجنيها:
قال: أعطها ثوبا.
قال: لا أجد.
قال: أعطها ولو خاتما من حديد، فاعتل له.
فقال: ما معك من القرآن؟.
قال: كذا وكذا.
قال: فقد زوجتكها بما معك من القرآن(37).
وكان لكيفية اقراء الرسول (ص) بمكة والمدينة اثراً امتد من عصره إلى ما بعده كالاتي خبره: