ثانياً ـ النظام الّذي سنّه النبيّ (ص) في إقراء القرآن

في مسند أحمد ومعرفة القرّاء الكبار للذهبي والبحار للمجلسي واللفظ للذهبي عن أبي عبد الرحمن قال:

حدثني الّذين كانوا يقرؤوننا: عثمان وابن مسعود وأُبيّ بن كعب(رض) ان رسول اللّه (ص) كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أُخر حتى يعلموا ما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً(5).

وفي تفسير الطبري بسنده:

عن أبي عبد الرحمن ـ السلمى ـ قال حدثنا الّذين كانوا يقرؤوننا أنّهم كانوا يستقرؤون من النبيّ (ص) فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً(6).

ولفظ أحمد في مسنده:

حدثنا عبداللّه حدثني أبي حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبيّ (ص) أنّهم كانوا يقترؤون من رسول اللّه (ص) عشر آيات: فلا يأخذون العشر الاخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل.

قالوا فعلمنا العلم والعمل(7).

وفي تفسير القرطبي بسنده:

عن عثمان وابن مسعود وأبيّ أن رسول اللّه (ص) كان يُقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل جميعاً.

وذكر عبدالرزاق عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر الّتي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها(8).

(وأبو عبدالرّحمن السلمي عبداللّه بن حبيب بن ربيعة السلمي اخرج حديثه أصحاب الصحاح، ولد في حياة النبيّ (ص) ولابيه صحبة قرأ القرآن وجوّده وبرع في حفظه، أخذ القرآن عرضا عن عثمان وعلي وابن مسعود وزيد ابن ثابت وأبي بن كعب(رض) وكان مقرئ أهل الكوفة منذ عصر عثمان إلى أن توفي بعد السبعين من الهجرة في أوائل حكم الحجاج وكان يعلّم القرآن خمس آيات خمس آيات وعلّم ابن عمرو بن الحريث القرآن، فأرسل له جلالا وجُزراً*(9) فردّها وقال: انا لا نأخذ على كتاب اللّه أجراً)(10).

* * *

ونعلم من الروايات الاتية أن ما كان يقرئهم الرسول (ص) في معني الايات كان يتلقاه عن طريق الوحي عن اللّه جلّ اسمه.

أ ـ في سنن أبي داود ومسند أحمد واللفظ للاول بسنده عن المقدام بن معديكرب عن رسول اللّه (ص) أنه قال:

((أَلا إنِّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ لا يُوشِكُ رجلٌ شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال، فأحلُّوهُ، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّمُوهُ ...))(11).

ب ـ في سنن أبي داود عن العرباض بن سارية قال: نزلنا مع رسول اللّه (ص) خيبر ومعه من معه من أصحابه، ثمّ صلّى بهم

النبيّ (ص)، ثمّ قام، فقال:

((أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن اللّه لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن! ألا وإني وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر....))(12).

قد يكون معنى قول الرسول (ص) ((أنّها لمثل القرآن)) أي أنّه تلقاه عن الوحي وأكثر من القرآن في شرح أحكام اللّه.

ج ـ في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة ومسند أحمد واللفظ للاول، عن عبيداللّه بن أبي رافع عن أبيه قال: قال النبيّ (ص):

((لا أُلفينَّ أحدكم مُتكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه فيقول لا ندري، ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه))(13).

د ـ وفي مسند أحمد عن المقدام بن معدي كرب قال:

((حرّم رسول اللّه (ص) يوم خيبر أشياء، ثمّ قال: ((يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدث بحديثي.

فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه)).

ألا وإن ما حرم رسول اللّه (ص) مثل ما حرم اللّه)).

وفي آخر الحديث من سنن الترمذي: ((وان ما حرم رسول اللّه (ص) كما حرم اللّه)).

وفي سنن ابن ماجة: ((مثل ما حرم اللّه))(14).

ه‍‍ ـ في مسند أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (ص):

((لا أعرفنّ أحداً منكم أتاه عني حديث وهو متكئ في أريكته. فيقول: اتل علي به قرآناً ...))(15).

وروي موجز الاحاديث القرطبي في تفسيره بقوله: ((كان الوحي ينزل على رسول اللّه (ص) ويحضره جبريل بالسنة الّتي تفسر ذلك))(16).

* * *

كان ذلكم كيفية اقراء الرسول (ص) آي القرآن لاصحابه، وتعليمهم معنى الايات مع تعليم اللفظ واهتمامه بما بينه في أحاديثه من الاحكام وفي ما يأتي ندرس كيفية اهتمامه بإقراء القرآن لاهل الصفة بمسجده وبمن يأتي من خارج المدينة ويُسلم على يده:

الاقراء لاهل الصفة ولمن جاء من خارج المدينة وأسلم:

وكان في مسجد الرسول (ص) صفة لايواء الفقراء من المسلمين وكان عبادة ابن الصامت يعلّم أهل الصفة القرآن(17).

وفي المستدرك عن عبادة بن الصامت أنه قال:

إذا قدم الرجل وقد أسلم على يد رسول اللّه (ص) دفعه إلى رجل منّا ليعلمه القرآن فدفع إليَّ رسول اللّه (ص) رجلاً كان معي في البيت وكنت أقرأته القرآن فرآى ان لي عليه حقّاً فأهدى إليَّ قوساً ما رأيت أجود منها ولا أحسن منها عطافاً فأتيت رسول اللّه (ص) فقلت ما ترى يا رسول اللّه فيها، فقال: جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها(18).

وفي رواية عن عبادة بن الصامت قال:

كان الرجل إذا هاجر دفعه النبيّ (ص) إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول اللّه (ص) ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه(ص) أن يحفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا(19).

وجاء ـ أيضاً ـ في كنز العمال عن الطفيل بن عمرو الدوسي ذي النوران قال: أقرأني أُبي بن كعب القرآن، فأهديت له قوسماً فغدا إلى النبيّ (ص) مُتقلدها، فقال له النبيّ (ص): من سلّحك هذه القوس يا أُبي؟ فقال: الطفيل بن عمرو الدوسي، أقرأته القرآن، فقال له رسول اللّه (ص): تقلدها شِلْوَةً من جهنم، فقال يا رسول اللّه: إنا نأكل من طعامهم، فقال: أمّا طعامٌ صُنع لغيرك فحضرت لا بأس أن تأكله(20).

بمقارنة هذا الخبر بخبر الاقراء بمكة الّذي رواه الصحابي الخليفة عمر نرى أنّ أهل اليسار بمكة كانوا يؤون من يقرئهم من المستضعفين بمكة وفي المدينة كان أهل اليسار يؤون المهاجر الجديد لاقرائه. ونرى أن الرسول يُحذّرهم من أخذ هدية ممّن أقرؤه.

وعلى هذا يكون الايواء والاطعام في البلدين على أهل اليسار دون مقابل.

ولم يقتصر تقارئ القرآن بين الصحابة في الحضر دون السفر، فقد روى ابن عمر وقال: سافر النبيّ (ص) واصحابه إلى أرض العدوّ وهم يعلّمون القرآن(21).

ففي صحيح مسلم وغيره واللفظ لمسلم قال(22):

جاء أناس إلى رسول اللّه (ص)، فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلّمون القرآن والسنّة فبعث إليهم سبعين رجلاً من الانصار يقال لهم القرّاء ـ وفي لفظ البخاري(23): من القراء ـ يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون.

وفي كتاب التراتيب الادارية ما موجزه:

أرسل مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف في سيرة ابن إسحاق لما انصرف النبيّ (ص) من القوم الذين بايعوه في العقبة الاولى قال وهم اثنا عشر بعث معهم مصعباً وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين وكان يسمى المقرئ بالمدينة(24).

وفي الاستبصار لابن قدامة المقدسي لما قدم مصعب بن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الانصار يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى اللّه عز وجل فأسلم على يديهما جماعة منهم سعد بن معاذ وأُسيد ابن حضير وغيرهما.

وفي التهذيب للنووي لدى ترجمة مصعب هذا: هاجر إلى المدينة بعد العقبة الاولى ليعلم الناس القرآن، ويصلي بهم بعثهُ رسول اللّه (ص) مع الاثني عشر أهل العقبة الثانية ليفقه أهل المدينة، ويقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة، ومنهم معاذ بن جبل في الاكتفاء لابي الربيع الكلاعي استخلف رسول اللّه (ص) عتاب بن أسيد على مكّة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن خرّجه ابن سعد في الطبقات عن مجاهد وفي الاستيعاب بعثه النبيّ (ص) قاضيا على الجند من اليمن يعلم الناس القران وشرائع الاسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن عام فتح مكّة، ومنهم عمرو بن حزم الخزرجي النجاري.

في الاستيعاب استعمله النبيّ (ص) على نجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا وكتب له كتاباً في الفرائض والسنن والصدقات والديات يصح أن يستدرك هنا من المعلمين جماعة فمنهم أبو عبيدة بن الجراح أخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: لما وفد أهل اليمن على رسول اللّه (ص) قالوا ابعث معنا رجال يعلمنا السنة والاسلام... وسيّره إلى الشام أميرا فكان فتح أكثر الشام على يده.


5 معرفة القراء الكبار للذهبي ص 48، ومسند أحمد 5 / 410، والبحار للمجلسي 92 / 106، ومجمع الزوائد ومنع الفوائد 1 / 165، وفي تفسير القرطبي 1 / 39 وفي كنز العمال الحديث 4213.

6 مسند أحمد 5 / 410، وتفسير الطبري 1 / 27. راجع أخبارهم في كنز العمال 2 / 346 ط. بيروت سنة 1409 ه‍‍ الحديث 4215.

7 مسند أحمد 5 / 410.

8 تفسير القرطبي 1 / 39.

9 * جلالاً جمع جل : ما يكسى به الفرس لتصان به فهنا بمعنى الفرس والمجلل . الجزر جمع الجزور الابل الّتي تصلح للذبح .

10 معرفة القراء الكبار للذهبي ص 45 ـ 49.

11 سنن أبي داود باب لزوم السنة 4 / 200 الحديث 4604، ومسند أحمد 4 / 131.مقدام الكندي صحابي مشهور نزل الشام ومات سنة 87 ه‍‍ وله احدى وتسعون سنة. تقريب التهذيب 2 / 272.

12 سنن ابي داود 2/64 باب في تعشير أهل الذمة من كتاب الخراج و الامارة و الفيء , و طبعة تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3/170. وعرباض السلمي أبو نجيح صحابي كان من أهل الصفة و نزل حمص و مات بعد السبعين. تقريب التهذيب 2/17.

13 سنن أبي داود باب لزوم السنة من كتاب السنة 2 / 256، والترمذي 10 / 132، وابن ماجة المقدمة 1 / 7، ومستدرك الحاكم كتاب العلم 1 / 108، ومسند أحمد 6 / 8.وعبيداللّه بن أبي رافع مولى النبيّ. تقريب التهذيب 1 / 532.

14 مسند أحمد 4 / 132، وسنن الدارمي 1 / 140، وسنن الترمذي 10 / 133، وابن ماجة مقدمة 1 / 6.

15 مسند أحمد 2 / 367 و 483.في المتن لاعرفن تصحيف ونرى الصحيح لا أعرفن.

16 تفسير القرطبي 1 / 39.

17 راجع سنن أبي داود 3 / 264، ومسند أحمد 5 / 315، وسنن ابن ماجة 2 / 730.

18 مستدرك الحاكم 3 / 356، ومسند أحمد 5 / 324، وسنن ابن أبي داود 3 / 265، وقال صحيح الاسناد.

19 مناهل العرفان للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني بكلية اصول الدين في الازهر ط. دار احياء الكتب العربية بمصر 1 / 234.

20 كنز العمال 2 / 342، الحديث 4194.

21 صحيح البخاري 2 / 113 كتاب الجهاد باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو.

22 مسلم كتاب الامارة (باب ثبوت الجنة للشهيد) ص 1511 الحديث 147.

23 البخاري 2 / 136 كتاب الجزية باب دعاء الامام على من نكث عهداً. وجاء الخبر في خبر بئر معونة بكتب سيرة الرسول (ص) كسيرة ابن

هشام 3 / 184 ـ 185.

24 كتاب الحكومة النبوية المعروف بالتراتيب الادارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية الّتي كانت على عهد تأسيس الدولة الاسلامية في المدينة المنورة لعبد الحي بن عبد الكبير بن محمد الحسيني الادريسي الكناني. افست دار الكتاب العربي بيروت 1 / 42 ـ 47. وراجع طبقات ابن سعد ط. أوروبا 8 / 2 / 108. وسيرة ابن هشام 2 / 42. والاستبصار لابن قدامة ص 57. والاستيعاب ص 2279، ومسند أحمد 3 / 212.