الفصل الاول : أخبار القرآن في عصر نزولة بمكّة على عهد الرسول الاكرم (ص)
أوّلاً ـ القرآن وما فيه:
في ليلة السابع والعشرين من رجب وفي غار جبل حراء على بعد ثلاثة أميال من مكّة أنزل اللّه أوّل مرّة مع جبرئيل على نبيّه (ص):
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الا ِ نْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الا ِ نْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق / 1 ـ 5)
ثم توالى نزول القرآن ثلاثا وعشرين سنة. قال تعالى:
(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانَاً لِكُلِّ شَيْء وَهُدَىً وَرَحْمَةً...) (النَّحل / 89)
وكما أخبر اللّه سبحانه في سورة الجمعة:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) (الاية / 2)
وكما قال تعالى في سورة البقرة:
(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (الاية / 151)
أنزل اللّه في القرآن جميع أنواع المعرفة الدينية من صفات الخالق وأخبار المعاد وأحكام الاسلام وآدابه وأصناف المعرفة بجميع عوالم الوجود؛ عوالم السموات والارض، وعوالم الملائكة والجن والانس والنبات والحيوان، وأخبار الامم السابقة والبائدة وأنبيائها، وأخبار الغيوب الاتية، وأودع مفاتيح تلك الكنوز من المعرفة، إلى رسول اللّه (ص) وقال تعالى في سورة النحل /44:
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
نزل القرآن على رسول اللّه (ص) ثلاث عشرة سنة في مكّة وعشر سنوات في المدينة ولكلّ خصائصه، كما نذكرها في ما يأتي
بحوله تعالى.
ثانياً ـ خصائص القرآن المكّي وآثاره:
أ ـ الخصائص الادبية في القرآن المكّي:
نزل القرآن بمكّة في ثلاث عشرة سنة قصيرة آياته صغيرة في جلّ سوره.
وفي القرآن المكّي ما يُدحض مزاعم قريش الباطلة في تعدد الالهة، ويدمغ حججهم الواهية في التمسك بها وبأعرافهم الجاهلية بحجج رصينة ويجيب عن أسئلتهم بأجوبة شافية وافية وما فيه تعنيف شامت وردٌ على اقتراحاتهم الجاهلية.
ومنه ما يقص ما جرى بين الرسول (ص) وقريش من مناظرات ومجادلات، وما يحكي عن حوادث معاصرة أو غابرة ممّا جرى بين الانبياء وأُممهم يضرب بها مثلاً لكفار قريش وما يجري بينهم وبين نبيّهم من مشاجرات، ومنه ما يصور أهوال يوم القيامة ممّا يقشعرّ لها جلد العربي ذو الحسّ المرهف، ولكلام اللّه في القرآن الكريم ميزات كثيرة على كلام البشر جليّة نقتصر في ما يأتي على ذكر الامتياز البلاغي ـ الادبي ـ ثمّ الفكري للقرآن المكّي بحوله تعالى:
أثر الامتياز الادبي في القرآن الكريم:
أمثلة من آيات تتجلى فيها الميزة الادبية في القرآن المكي:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
(وَالضُّحى * وَالَّيْلِ إِذا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلاخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الاُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى *
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيَماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى / 1 ـ 11)
أية قطعة فنية من كلام البشر شعراً كان أم نثراً تضاهي هذه السورة أو تدانيها، أم أية قطعة أدبية من كلام البشر توازي أو تداني قوله تعالى في سورة الرحمّن:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
(الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الا ِ نْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ *
وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * ... فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الايات / 1 ـ 7 و 13)
أم أية قطعة أدبية من كلام الادميين توازي أو تداني قوله عزّ اسمه في سورة التكوير:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إذَا الشَّمسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ... فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِن هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمينَ *
لِمَن شَاء مِنْكُمْ أَن يَستَقِيمَ) (الايات / 1 - 9 و 26 ـ 28)
خذ أي فن من فنون كلام بلغاء الادميين، وقارنه بما شئت من مثيله في القرآن الكريم، لترى بلاغة القرآن كضوء الشمس يخفي ضياؤه لمعان كل نجم في سماء الادب صغيراً كان أو كبيراً خذ مثلاً الفن القصصي من كلام الادميين وقارنه بنظيره في القرآن الكريم حيث قال ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة الفيل:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرَاً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِن
سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)
وهي تحكي عن قصة شاهدتها قريش في عصرها ومصرها وان شئت فخذ مثلاً ما حكى اللّه من قصص الانبياء السابقين مع أممهم الغابرة وقارن بين ما قصه البشر من القصص المتوسطة وبين ما حكى اللّه عن نوح وقومه حيث قال في سورة نوح:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُو اللّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وُيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللّهِ إِذا جَاء لاَ يُؤخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماء عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ سَمواتٍ طِبَاقاً * وَجَعلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الاَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الاْ َرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً * قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لاَتَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَظَلُّوا كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلاَلاً * مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَادْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْصَاراً * وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْ َرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذُرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً * رَبِّ اغْفِرْلِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَاراً) (الايات / 1 ـ 28)
وخذ للمقارنة قصص بلغاء البشر الكبيرة من قصص القرآن، وخذ إن شئت في سورة يوسف أحسن القصص أو قصص زكريا ومريم وعيسى ـ عليهم السلام ـ في سورة مريم أو قصص هارون وموسى مع فرعون وبني اسرائيل في سائر السور.
وهكذا لا يجارى القرآن ولا يبارى في أي فن من فنون البلاغة في التعبير، وكذلك لا شبيه له ولا نظير في ما يحوي من فنون العلم بالمبدأ والمعاد وأخبار عوالم الملائكة والجنّ والانس والحيوان والنبات والجماد والسموات والكواكب وأنظمة لحياة الانسان وسائر فنون المعرفة الصحيحة، وكان لبلاغة القرآن والجانب الادبي فيه الاثر البليغ في نفوس قريش كما يدلّ عليه أمثال الخبر الاتي:
تأثير القرآن المكّي في قريش واستماعهم إليه سرّاً:
روى ابن هشام وغيره واللفظ لابن هشام، قال:
إن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والاخنس بن شريق بن عمرو ابن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللّه (ص) وهو يصلّي من الليل في بيته، فأخذ كلّ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا. فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئاً، ثمّ انصرفوا. حتّى إذا كانت الليلة الثانية عاد كلّ رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أوّل مرّة ثمّ انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كلّ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود: فتعاهدوا على ذلك، ثمّ تفرّقوا.
فلما أصبح الاخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمّد؟
فقال: يا أبا ثعلبة، واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها.
قال الاخنس: وأنا والّذي حلفت به كذلك.
قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل وكان أوّل من دخل عليه يته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن ـ أي قبيلة بني مخزوم ـ وبنو عبد ناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى تحاذينا على الرُّكب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء؛ فمتى ندرك مثل هذه! واللّه لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.
قال: فقام عنه الاخنس وتركه(1).
هكذا كان للجانب الادبي من القرآن الكريم الاثر البليغ في نفوس من يستمع إليه ولذلك بذلت قريش جهدها لتمنع الحجيج من الاستماع إلى قراءة الرسول للقرآن الكريم كما سيأتي خبره في بحث الخصائص الفكرية في القرآن المكي الاتي.
1 سيرة ابن هشام ط. القاهرة 1 / 337 ـ 338.