مقدّمة الطبعة الاولى
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الانبياء محمّد وآله الطاهرين، والسلام على أصحابه الميامين وأزواجه المنتجبات أُمهات المؤمنين.
وبعد كنتُ لا أرى في ما مضى أيّة ضرورة لهذا النوع من البحث القرآني، لما كنتُ أعلم أنّ المسلمين عامّة متّفقون اليوم على أنّ القرآن الّذي يتداولونه هو كلام اللّه الّذي أوحاه إلى خاتم أنبيائه محمّد (ص)، وأنّهم توارثوه عن نبيّهم جيلاً بعد جيل حتّى اليوم، وأنّ الخلاف بينهم ناشئ عن تأويله وتفسيره، وأنّه إن شذَّ منهم شاذّ يوماً ما بقولٍ ما، فهو من شأن الطبيعة البشرية ومجتمعاتها الّتي لم تخلُ ولن تخلو من شذوذ الشواذّ في يوم من الايّام.
وبناء على هذه الرؤية لم أكن أرى حاجة للخوض في هذا النوع من البحث. هكذا كنت أرى.
ولمّا قامت الجمهورية الاسلامية في إيران اقتضت الدوافع السياسيّة لدى بعض الدول،التحرش عليها،فانتشرت في طول البلاد الاسلاميةوعرضها كتب ورسائل ومقالات ضدَّها وضدَّ خطِّ أهل البيت(ع) السائد فيها. وكان أهمّ ما رفعوه في هذه الحرب السياسيّة القرآن الكريم، فألجأتنيالضرورة إلى أن أُبيّن الواقع التاريخي في هذا الشأن. وكتبتُ موجزاً من البحث في أوّل المجلّد الثاني من معالم المدرستين، ظنّاً منّي كافٍ لرفع الشبهات الّتي أُثيرت في هذا الصدد.
غير أنّ ما تلقيتُ من الاسئلة حولها من شتّى البلاد وما أنبئتُ أنّ بعض الدول الاسلامية دفعت وساعدت على نشر ما يقارب مائتي كتاب ورسالة بهذا الصدد في بلاد الهند وحدها، أثبتت لي أنّ الشّبهات الّتي أُثيرت حول مدرسة أهل البيت(ع) في شأن القران خاصّة، أهمّ وأوسع ممّا كنت أرى، أضف إليه ما كنت أراه منذ عشرات السنين من ضرورة القيام بردّ شبهات المستشرقين في ثبوت النص القرآني؛ لهذا وذاك اتسعت بحوث الكتاب وتسلسلت حتّى بلغت ثلاثة مجلدات.
وقد اخترت لهذه الدراسة كتابَيْ (فصل الخطاب) و(الشيعة والقرآن) ليكونا محورَيْ هذه الدراسة، لانّ كلاّ ً من مؤلفَي الكتابَيْن أراد أن ينتقد المدرسة الاخرى في كتابه. وحاول أن يستوعب كل شاردة وواردة في بحثه. واقتصرت في دراستهما على ما أورداه حول كتاب اللّه المجيد، وتركتُ منهما ما لا يتصل بالبحوث القرآنية.
وراجعت في دراسة ما استدلّ به الشيخ النوري من مصادر دراسات مدرسة الخلفاء إلى تلك المصادر مباشرة وخرّجت الروايات منها بلا واسطة.
وكان لابدّ لي في دراسة الروايات أن أمهدّ لها دراسة خصائص المجتمع الّذي نزل فيه القرآن وانتشر منه لاقارن بين تلك الروايات والوقائع التاريخي الّذي يناقض تلك الروايات. والروايات الّتي ناقشتها هي:
أ ـ روايات جمع القرآن:
فقد جاء فيها(1):
أنّه لمّا استحرّ القتل بالقراء في واقعة اليمامة خشى عمر أن يذهب كثير من القرآن بقتل القراء في الحروب، فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يجمعه فقال: كيف نفعل مالم يفعله رسول اللّه (ص)؟!
فلمّا اقتنع بالرأي أمر زيد بن ثابت أن يجمعه، فقال: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص) ولما اقنعاه بالامر أخذ يجمع القرآن ممّا كتب عليه ومن صدور الرجال ووجد آخر سورة براءة عند خزيمة بن ثابت.
وفي رواية أن ذلك كان على عهد عثمان.
وجاء في غيرها أن زيداً اقترح جمع القرآن على عمر، وعمر على أبي بكر فاستشار المسلمين، فوافقوا عليه، فأمر عمر وزيد بن ثابت أن يكتبا آيةً شهد عليها شاهدان، وأنّ أُبيّ بن كعب أخبرهم بآخر آية من القرآن، وأودع ما نسخه عند أم المؤمنين حفصة.
وفي غيرها أنّ الخليفة عمر سأل عن آية، فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فأمر بجمع القران، فكتبوا أربعة مصاحف وأنفذها إلى الكوفة والبصرة والشام والحجاز.
وفي غيرها: أنّ جمعه تمّ على عهد عثمان.
وفي غيرها أنّ عمر قتل ولم يبدأ بجمع القران، وعلى عهد الخليفة عثمان جعل المعلّم يعلّم قراءة ومعلم آخر يعلم قراءة أخرى فاختلف من أخذ منهم في القراءات وبلغ ذلك المعلّمين فكفّر بعضهم بعضاً على قراءته ما يخالف قراءته فبلغ ذلك عثمان، فامر بكتابة المصحف فربما اختلفوا في قراءة آية فيذكرون الرجل الّذي تلقاها من رسول اللّه وهو غائب في بعض البوادي فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها، فيرسلون إليه حتى يحضر ويأخذون الاية منه، ويكتبونها في موقعها وأنه لمّا أتمّوا كتابة المصحف ورآه عثمان قال: أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بالسنتها!!!
وانه كتب إلى أهل الامصار: أني محوت كذا من القرآن، وصنعت كذا، فامحوا ما عندكم واصنعوا كما صنعت!!!
وفي غيرها أن الاختلاف في القراءات وقع في بلاد أخرى غير المدينة فطلب الخليفة من أمّ المؤمنين حفصة الصحف الّتي عندها، فنسخها في مصاحف وأرسلها إلى البلاد، وأحرق بعد ذلك غيرها من المصاحف.
ب ـ روايات الزيادة والنقصان في القرآن!! ـ معاذ اللّه ـ
جاء في روايات منها:
أن أبا موسى الاشعري قال لقراء البصرة: كنّا نقرأ سورة نظير براءة أنسيتها وحفظت منها (يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون ...).
وجاء في غيرها: أنّه كان في مصحف بعض الصحابة سورتي الحفد والخلع(2).
وفي غيرها ان ابن مسعود لم يكن يكتب في مصحفه الحمد والمعوذتين وانّه كان يحكّ المعوذتين من المصحف(3).
وأنّ سورة الاحزاب كانت توازي سورة البقرة، وانّه نسي منها ثلاثة أرباعها.
وجاء في غيرها: أنه ممّا فُقِدَ من آي القرآن آية الرجم و (رضاع الكبير عشرا)، وسمّوا بعض ذلك بالنسخ وبعضها بالانساء.
ج ـ روايات اختلاف المصاحف:
جاء في روايات منها:
ان امّهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة أَمرن بكتابة المصحف، ولمّا بلغ إلى قوله تعالى (حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوتِ وَالصَّلوةِ
الْوُسْطَى) أمرن الكاتب أن يكتب بعدها (وصلاة العصر).
ونظائرها كثيرة نشير إلى بعضها وندرسها في أماكنها من البحوث الاتية إن شاء اللّه تعالى.
د ـ روايات النسخ والانساء:
جاء في روايات منها:
ان رسول اللّه (ص) سمع رجلاً يقرأ القرآن في مسجده، فقال: رحمه اللّه لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا.
وان صحابيين أرادا أن يقءرا في ليلة سورة نزلت على رسول اللّه (ص)، فلم يقدرا، ونسياها، فأصبحا غاديين إلى رسول اللّه (ص) وأخبراه بذلك، فقال: إنها ممّا نسخ أو نسي، فالهوا عنها.
وانّه كان ممّا ينزل به الوحي عليه ليلاً وينساه نهاراً.
هـ روايات اختلاف القراءات أو القراءات المختلفة:
جاء في روايات منها أن بعض الصحابة قرأ:
1 ـ (إن هذان إلاّ ساحران) بدل: (إِنْ هَذانِ لَسَحِرانِ)
2 ـ إن ذان إلاّ ساحران.
3 ـ (سنقرئك فلا تنساها) بدل: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى)
4 ـ (صراط من أنعمت عليهم) بدل: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
وهناك مئات أخرى من قراءات مختلفة نُسبت إلى الصحابة زوراً وبهتانا ولعلّها تبلغ الالوف ولا ينبغي لنا أن نضيع الوقت في عدّها.
و ـ روايات أنزل القران على سبعة أوجه:
رووا عن الخليفة عمر بن الخطاب أنّه قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه (ص) فلببته بردائه، وقدته إلى رسول اللّه (ص).
فقال: اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة الّتي سمعته يقرأ.
فقال الرسول (ص): كذلك أنزلت.
وقرأت القراءة الّتي أقرأنيها الرسول (ص). فقال الرسول (ص): كذلك أنزلت ثم قال: ان القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه!
وفي رواية أخرى كان ذلك مع رجل، فوقع في صدر عمر شيء، فضرب الرسول (ص) صدره وقال ثلاثاً: ابعد شيطاناً، ثم قال: يا عمر أنّ القرآن كلّه صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة!
وفي رواية أخرى عن عمرو بن العاص نظير ما تقدّم وان رسول اللّه (ص) قال لهم: ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأيّ ذلك قرأتم فقد أصبتم، أحسنتم ولا تماروا فيه فانّ المراء كفر!
وعن أُبيّ بن كعب أنّه اختلف في القراءة مع اثنين آخرين فذهبوا إلى رسول اللّه (ص) فقرأ الاثنان على الرسول اللّه (ص) خلاف القراءة الّتي كان أُبيّ أخذها من النبيّ.
قال أُبي: وصوّب النبيّ جميعها فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فضرب النبيّ في صدري، وقال: أرسِلَ إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فقلت: هوّن على أمّتي فردّ إليّ الثانية: اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إليّ الثالثة:
اقرأه على سبعة أحرف!
وفي رواية أخرى: أنّ النبيّ (ص) قال: ان جبرائيل وميكائيل أتياني فقعد جبرائيل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبرائيل: اقرأ القرآن على حرف، فقال: اسرافيل: استزده، استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف وكاف.
وفي رواية أخرى: ليس منها إلاّ شاف كاف، إن قلت سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب! وفي رواية أخرى نظيرها إلى قوله:
حتى بلغ سبعة أحرف ليس منه إلاّ شاف كاف إن قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً فاللّه كذلك ما لم تختم
آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب.
إلى عشرات الروايات الاخرى نظائر ما تقدم ذكرها.
ز ـ تقويم الروايات السابقة:
أوّلاً: في تلكم الروايات إسرائيلية وروايات الغلاة والزنادقة ومن جملتها روايات موضوعة ومفتراة على اللّه ورسوله وكتابه، وفيها ما افتري بها على الصحابة وأئمة أهل البيت.
ثانياً: في تلكم الرويات روايات صحيحة غير أنّ فيها مصطلحات قرآنية تغيّرت معانيها، وتبدّلت بعد عصر الصحابة متدرّجا حتّى أصبح لها اليوم معانٍ غير الّتي قصد منها في القرآن وحديث الرسول (ص) وأحاديث الصحابة.
واستعمل ذلك المصطلح في كتب علوم القرآن في المعني الجديد له خلافاً للمعنى الّذي استعمل فيه في عصر الرسول حتى عصر الصحابة.
وأنتج كل ذلك ما يأتي بيانه باذنه تعالى.
ح ـ نتائج الروايات وآثارها:
أوّلاً: أنّهم اعتقدوا بأن في القرآن الكريم آيات منسوخة التلاوة مع بقاء حكمها وأخرى منسوخ الحكم مع بقاء قراءتها وآيات أخرى منسوخة التلاوة والحكم جميعاً وعلى أثر ذلك تسابقوا في استخراج الايات الناسخة والمنسوخة لفظاً أو حكماً أو هما جميعاً في تلكم الروايات وسجّلوا نتائج ما توصلوا إليه في عشرات المؤلفات بعنوان علم الناسخ والمنسوخ من علوم القرآن في حين أنّ اللّه ما نسخ آية ممّا أنزل على رسوله في القرآن الكريم لا لفظاً ولا معنىً ولا كليهما معاً ونعوذ باللّه من هذا الافتراء الشنيع على اللّه الحكيم وكتابه الكريم.
ثانياً: انّ جملة ممّن سمّوا بالقرّاء الكبار اجازوا لانفسهم أن يبدّلوا كلمات القرآن الّتي نزلت بلغة قريش وهوازن وقضاعة وتميم وطيءوغيرهم من قبائل العرب، وبلغ بهم الامر أن يتسابقوا في البحث والتقصّي عن شواذّ اللهجات في قبائل العرب وإن كان جرى ذلك على لسان بدويّ جاهل غير فصيح، ويجعلوا ذلك التلفظ الشاذّ الغلط قراءة لتلك الكلمة في القرآن الكريم حتى بلغ عدد القراءات في كلمة واحدة من كلمات القرآن الكريم عشر قراءات احداها لغة قريش مثل ماجرى لكلمة (عليهم) في قوله تعالى في سورة الحمد (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ).
وبعملهم هذا أجروا من التحريف على القرآن بما لم يجر نظيره على كتاب على وجه الارض قطُّ وهذا ما عناه الامام الباقر في قوله: (أمّا القرآن فقد حرّفوا).
ثالثاً: إنّ تلكم الروايات المفترى بها على اللّه ورسوله وكتابه وأصحاب رسوله أدت إلى:
أ ـ عدم فهم معاني المصطلحات القرآنية في أحاديث أخرى صحيحة.
ب ـ اعتقاد العلماء بوجود الناسخ والمنسوخ في آيات القرآن الكريم.
ج ـ تجوّز القرّاء في تحريف كلمات القرآن واختلاقهم تلك القراءات الباطلة لها.
د ـ شوشت على بعض المحدّثين أمثال الشيخ النوري الرؤية الصحيحة لامر القرآن الكريم وكتبوا في شأن القرآن الكريم وقالوا
ما لا يصحّ قوله وكتابته.
هـ وجد أمثال احسان إلهي ظهير ونظرائه في نشر تلكم الاقوال وإذاعتها بأوسع ما يمكن من نشره وإذاعته، خير وسيلة لنقد مدرسة أهل البيت(ع) وقدحها، فلم يألوا جهداً في ذلك. وأعانهم على نشرها في جميع بلاد العالم بعض أصحاب الطول والنفوذ والسيطرة بكلّ ما أوتوا من حول وقوّة.
رابعاً: استند المستشرقون وخصوم الاسلام إليها ورووا وكتبوا أن مصاحف الصحابة كانت تختلف بعضها مع بعض مثل مصاحف عمر وعلي وأبي وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة وكذلك عدّوا أحد عشر مصحفاً من مصاحف التابعين كانت تختلف بعضها مع بعض وان الحجّاج غيّر من مصحف عثمان عشرة أماكن مثل (يسيّركم في البر والبحر) في سورة يونس / 22 والّتي كانت (هو الّذي ينشركم في البر والبحر) فنسيت ما كان في مصحف عثمان وبقي يقرأ في القرآن ما غيره الحجّاج.
وقام المستشرقون بالبحث عن المؤلّفات الّتي جاء فيها تغيير النصّ القرآني مثل:
ج. برجشتر الّذي استخرج من كتاب البديع لابن خالويه (شواذ القرآن) خاصّة وطبعته جمعية المستشرقين الالمانية بمصر سنة 1934 م سابع سبعة ممّا راقهم طبعها. ومثل: د. آرتر جفري الّذي طبع كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني (ت 316) بمصر سنة 1936 م لما فيها من روايات من اختلاف المصاحف والقراءات.
ط ـ بداية الوضع والدسّ والافتراء:
في بحث (دواعي وضع الحديث) من باب (مع معاوية) من المجلد الاوّل من كتاب أحاديث أم المؤمنين عائشة وفي ما يأتي من أبواب هذا الكتاب نرى ان بداية انتشار الروايات المختلفة والاخبار الموضوعة كان بعد استخلاف معاوية وامتدّ ذلك على طول عهد الخلافة الامويّة.
وفي سنة ثلاث وأربعين بعد المائة عندما أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بتدوين كتب العلم دوّن كلّما المحنا إليه في ما دوّن من كتب العلم وبقي العلماء يتداولونها ويتدارسونها جيلاً بعد جيل، ويستنبطون منها ما يستنبطون حتى عصرنا الحاضر.
ونحن اليوم إذا أردنا أن ندرس تلكم الروايات وتلكم الاخبار لنمحّص الحق من الباطل منها يلزمنا أن ندرس بتوسع ظروف كل خبر منها، مثلاً إذا أردنا أن ندرس ما نسب إلى الحجّاج انه غيّر النصّ القرآني الّذي كان مكتوباً في مصحف عثمان الّذي أرسله إلى البلاد وأنّ النصّ القرآني الّذي بأيدينا في زهاء عشرة موارد يختلف عما كتبه عثمان في مصحفه لابدّ لنا أن ندرس أخبار عصر ولاية الحجاج وأخبار ما جرى بعده بتوسع لندرك أن ما افتروا على القرآن بان الحجاج غيّره مستحيل عادة.
وإذا أردنا أن ندرس خبر ما نسب إلى الصحابي ابن مسعود من أنّه كان يحك من المصحف سورة الحمد والمعوذتين ونحن نعلم ان الخليفة عمر بعثه إلى الكوفة ليقرئهم القرآن لن يتيسر لنا معرفة الحقيقة والافتراء الّذي افتري به على ابن مسعود دون أن ندرس أسباب اختلاف ابن مسعود مع الوليد والي الكوفة، والخليفة عثمان وكذلك الشأن في دراسة ما عدا ذينكم الخبرين ومن ثم رأينا انّه لن يتيسر لنا دراسة كل تلكم الاخبار دون أن ندرس المجتمع الّذي نزل فيه القرآن في العصر الجاهلي ثم في العصر الاسلامي في مكّة مع قريش والمدينة في ما يخص سيرة الرسول ومع من كان يعاشره وهذا ما سميناه بالمجتمع الّذي انتشر منه القرآن وتمتد دراسة المجتمع الّذي انتشر منه القرآن بعد الرسول وتستوعب حكم الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية حتى عصر الحجاج.
وبعد ذلك ندرس على قدر الاستطاعة تاريخ القرآن: نزوله وإقراءه وتدوينه في مكّة والمدينة ونختم المجلد الاوّل بدراسة المصطلحات القرآنية.
وفي ضوء هذه الدراسات ندرس بإذنه تعالى روايات مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم في المجلد الثاني وروايات مدرسة أهل البيت في المجلد الثالث.
وبناء على ما ذكرنا سيثبت في بحوث الكتاب إن شاء اللّه تعالى انّ النصّ القرآني كما هو بأيدينا أوحى اللّه به إلى رسوله (ص) وأقرأه الرسول (ص) كذلك أصحابه.
وكلّما أوحي إلى رسوله (ص) من القرآن وبيان القرآن أَمَرَ مَن حَضَرَهُ مِن كتّابه بتدوينه على ما حَضَرَهُ من جلدٍ وخشبٍ وعظم كتف وما شابهها، وأوصى عليّاً أن يجمعه من بعده ففعل.
وكذلك فعل كل من كان تعلّم الكتابة من أصحابه، وكذلك فعل التابعون في عصر الصحابة.
واقتضت سياسة الخلفاء من بعده أن يجردوا القرآن من حديث الرسول (ص) المبيِّن لمعاني القرآن وبدؤوا بذلك في عصر أبي بكر وانتهى الامر في عصر عمر، ونسخ عليه سبع نسخ وزعها بنى أمهات البلاد الاسلامية وأمر باحراق ما عند الصحابة من نسخ كتب فيها القرآن مع بيان الرسول (ص).
فكتب المسلمون بعد ذلك القرآن مجرّدا عن حديث الرسول (ص) جيلاً بعد جيل حتّى عصرنا الحاضر.
ولم تنس كلمة ممّا أوحي إلى الرسول من القرآن ولم تزدد عليها ولم تنقص منها كلمة ولم تبدّل منها كلمة في عصر من العصور.
ووضع على عهد معاوية فما بعد من عصور الخلافة الاموية روايات لتبرير عمل الخليفة عثمان في شأن القرآن وسائر شؤون
سياسة الحكم على عهده بالاضافة إلى ذلك نسيت بعض معاني المصطلحات القرآنية مثل الاقراء والقمرئ الّذي كان في عصر الرسول (ص) والصحابة بمعنى: تعليم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ، وبسبب عدم معرفة معنى هذا المصطلح بالاضافة إلى
تلكم الاحاديث اختلقت قراءات مختلفة وأصبحت علماً يتدارسونه جيلاً بعد جيل.
ولعدم معرفة معنى مصطلح النسخ والاية اختلف علم الناسخ والمنسوخ وأُلِّف في أمثال هذه المختلقات مئات المؤلّفات.
ولا يتيسر درك حقيقة الروايات والاخبار الّتي المحنا إليها آنفاً واللاتي سوف ندرسها في المجلدين الثاني والثالث من هذا الكتاب باذنه ـ تعالى ـ دون استيعاب كل البحوث الّتي أوردناها في المجلد الاوّل باتقان ومع ان في بسط بعض تلكم الاخبار ما يؤلم القلب غير أن فهم ما افتري على اللّه ورسوله (ص) وكتابه وأصحاب رسوله وفهم المصطلحات القرآنية لن يتيسر دون دراسة جميع ما نقلنا من أخبار ويا ليت تلك الحوادث لم تقع ولم نكن نضطر دون دراسة جميع ما نقلنا من أخبار ويا ليت تلك الحوادث لم تقع ولم نكن نضطر إلى دراستها في سبيل الدفاع عن كرامة كتاب اللّه الكريم.
منهج البحث:
لما كان الاستدلال على بعض العلوم النظرية يتوقف على تذكار بعض البديهيات، وكنا في هذه البحوث نخاطب عامة الناس المتخصص منهم بهذه العلوم وغير المتخصص والمسلم منهم وغير المسلم، اضطررنا أحياناً إلى شرح بعض المصطلحات الّتي يبحث عنها في بدايات العلوم هي من البديهيات عند المشاركين في العلوم الاسلامية، وأحياناً عند عامة المسلمين، كما إننا اضطررنا أحياناً إلى تكرار بعض المفاهيم الّتي سبق شرحها، لما كان الاستدلال عليها في البحث الجديد يتوقف على التذكير بتلك المفاهيم وخاصة الجديدة منها على المجتمع وادرنا البحوث المذكورة وفق المخطط الاتي: