رابعاً ـ أديان العرب في العصر الجاهلي:

أ ـ الوثينة:

قال ابن إسحاق واليعقوبي ما موجزه(73):

إن بني اسماعيل كانوا لا يفارقون مكّة، حتى كثروا، وضاقت بهم مكّة فتفرقوا في البلاد، وما ارتحل أحد منهم من مكّة إلاّ حمل معه حجراً من حجارة الحرم، وحيث ما نزلوا وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى أدّى بهم إلى عبادته وخلف من بعدهم خلف نسوا ما كان عليه أباؤهم من دين اسماعيل وعبدوا الاوثان.

وقالا ـ أيضاً ـ ما موجزه:

إن عمرو بن لحيّ ـ شيخ خزاعة ـ سافر إلى الشام، ورأى أهلها يعبدون الاصنام، فقال لهم: ما هذه الاصنام الّتي أراكم تعبدون؟

فقالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها، فتمطرنا، ونستنصرها، فتنصرنا، فأخذ منهم هبل. وأتى به مكّة ونصبه عند الكعبة.

ووضعوا كلاّ من إساف ونائلة على ركن من أركان البيت، فكان الطائف بالبيت يبدأ بإساف، ويقبله، ويختم به، وكانت العرب عندما تحجّ البيت تسأل قريشاً وخزاعة عنها، فيقولون نعبدها لتقربنا إلى اللّه زلفى فلما رأت العرب ذلك اتّخذت كلّ قبيلة صنماً لها يصلّون له تقرباً إلى اللّه على حدّ زعمهم.

فكان لكلب بن وبرة وأحياء قضاعة (ودّ) منصوباً بدومة الجندل بجرش وكان لحمير وهمدان (نسر) منصوباً بصنعاء.

وكذلك ذكر اليعقوبي(74) وابن هشام أصنام القبائل وأماكنها قالا: وكان بعضها بيوتٌ تعظمها العرب مثل بيت اللات بالطائف، وكانت العرب إذا أرادت حجّ البيت، وقفت كلّ قبيلة عند صنمها، وصلّوا عنده، ثم تلبوا، حتى قدموا مكّة وكانت تلبية قريش:

لبّيك، اللّهمّ، لبّيك! لبّيك لا شريك لك، الاّشريك هو لك، تملكه وما ملك ...

وتلبية جذام: لبّيك عن جذام ذي النهي والاحلام.

وتلبية مذحج: لبّيك ربّ الشّعرى وربّ اللات والعزّى(75) وفي ذلك قال اللّه سبحانه: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)

(يوسف / 106)

كانت قبائل العرب إذا دخلوا مكّة للحج نزعوا ثيابهم الّتي كانت عليهم ولبسوا ثياب أهل مكّة كراء أو عارية، وإن لم يمكنهم ذلك طافوا بالبيت عراة، وكانوا ينكرون المعاد، كما أخبر اللّه عنهم في سورة الجاثية وقال سبحانه:

(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا الا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).(الايات / 24 ـ 26)

وكان لهم في الجنّ عقائد مبهمة مشوشة كما نذكرها في ما يأتي بحوله تعالى:

ب ـ عقائد العرب في الجن والغول والسعلاة:

أما الجنّ، فكانت العرب في الجاهلية إذا نزلوا وادياً وباتوا فيه قالوا: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي من شرّ أهله أو بعزيز هذا الوادي أو بعظيم هذا الوادي وما شاكله من الاستعاذة بعظيم الجنّ في ذلك الوادي.

روى السيوطي في جملة أخبار الاستعاذة ما موجزه: أن رجلاً من تميم نزل ليلة في أرض مجنة، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ أهله، فأجاره شيخ منهم، فغضب شاب منهم، وأخذ حربته لينحر ناقة الرجل، فمنعه الشيخ وقال:

يا مالك بن مهلهل مهلا

فدى لك محجري وأزاري

(كذا) عن ناقة الانسان لا تعرض لها... الابيات.

فقال له الفتى:

أتريد أن تعلو وتخفض ذكرنا

في غير مرزية أبا العيزار(76)

وأما الغول، فقد قال ابن الاثير(77): جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلا تتراءى للناس فتتغول تغولاً أي: تتلون تلوناً في صور شتى وتغولهم أي: تضلهم عن الطريق وتهلكهم.

وقال المسعودي في ذلك ما موجزه(78):

العرب يزعمون أنّ الغول يتغول لهم في الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم، فمنها قول تأبّط شرّاً:

فأصبحت والغول لي جارة

فيا جارتي أنت ما أهولا

وطالبتها بُضعها فالتوت

بوجه تغول فاستغولا

ويزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:

يا رجل عنز انهقي نهيقا

لن نترك السبسب والطريقا

وذلك أنّها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنّها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق الّتي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القصد، فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الاودية ورؤوس الجبال.

وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك، منهم عمر بن الخطاب(رض) انّه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأنّ الغول كانت تتغول له، وإنّه ضربها بسيفه، وذلك قبل ظهور الاسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.

السعلاة:

قال المسعودي ما موجزه(79):

وفرقوا بين السعلاة والغول قال عبيد بن أيوب ...

أبيت بسعلاة وغول بقفرة

إذا الليل وأرى الجنّ فيه أرنت

وقد وصفها بعضهم فقال:

وحافر العنز في ساق مدملجة

وجفن عين خلاف الانس بالطول

وقد حكى اللّه قول الجنّ في عملهم مع الانس وقال تعالى:

(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الا ِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَاً * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يُبْعَثَ اللّهُ أَحَدَاً * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسَاً شَدِيدَاً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الاَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَاً رَصَدَاً) (الجنّ / 6 ـ 9)

* * *

كان ذلكم بعض أخبار عقائد العرب في الغول والسعلاة ونظائرهما وسندرس بعد هذا أمر اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية بإذنه تعالى.

ج و د ـ اليهوديّة والمسيحيّة

انتشرت اليهودية في بلاد اليمن ومنطقة المدينة والمسيحية في اليمن ونواحي الشام.

وبنت النصارى بعض الكنائس مضاهاة للكعبة مثل كنيسة نجران الّتي قال فيها الاعشى:

وكعبة نجران حتم عليك

حتّى تناخى باعتابها

وكنيسة قليس الّتي بناها ابرهة، وأمر العرب أن يحجّوا إليها، فتغوط فيها بعضهم فهمّه ذلك فأتى بجيش الفيل لهدم الكعبة(80).

ومن معتقدات الوثنيين وأهل الكتاب في الجاهلية ما أخبر اللّه عنه بقوله تعالى في سورة الانعام:

(وَجَعَلُوا للّهِ ِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالاْ َرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ) (الايات / 100 ـ 102)

أمّا البنون الّذين خرقوا فقد أخبر اللّه عنه في قوله تعالى:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ...)

(التّوبة / 30)

وكانت اليهود يومذاك تزعم انّ عزيراً ابن اللّه وكانت النصارى ولا زالت تقول بأنّ المسيح عيسى بن مريم(ع): ابن اللّه.

أمّا البنات، فقد أخبر اللّه عن عقيدتهم في قوله تعالى:

(وَيَجْعَلُونَ للّهِ ِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ...) (النَّحل / 57)

وقوله تعالى:

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثَاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ) (الصَّافات / 149 ـ 153)


73 سيرة ابن هشام ط. مصر سنة 1356 ه 1 / 82، وتاريخ اليعقوبي ط. بيروت سنة 1379 ه1 / 254، والاكتفاء للكلاعي ط. القاهرة سنة 1387 ه1 / 92 ـ 94.

74 تاريخ اليعقوبي 1 / 255، وسيرة ابن هشام 1 / 82، والاكتفاء للكلاعي 1 / 94.

75 كذلك ذكر اليعقوبي 1 / 255 ـ 256، تلبية القبائل قبيلة بعد قبيلة.

76 في تفسير آية وكان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن من الدر المنثور ط. مصر سنة 1314 ه6 / 271، وفي مروج الذهب للمسعودي ط.بيروت سنة 1385 ه2 / 140 أخبار نظير ما ذكرناه.

77 النهاية في غريب الحديث والاثر، مادة (الغول) 3 / 396.

78 مروج الذهب 2 / 134 ـ 135، في باب أقاويل العرب في الغيلان.

79 مروج الذهب 2 / 137.

80 سيرة ابن هشام 1 / 43، ومعجم البلدان 4 / 756.