ز ـ بيع الطعام عيب في الجاهلية:

قال في تاريخ العرب قبل الاسلام:

والعادة عند العرب أن من العيب بيع شيء من الطعام لمن هو في حاجة إليه وهم يشعرون بالخجل وبالاهانة إذا طلب معسر طعاماً أو شراباً كلبن أو ماء ثم لا يجاب طلبه، أو يطلب عن ذلك ثمناً يقبضه مقابل ما قدم من طعام أو شراب، لان القِرى واجب على كلّ عربي، ولا يكون القِرى بثمن. فكيف يقف إنسان موقف بخل وإمساك إزاء مرمل محتاج(62).

ح ـ السرقة عيب والغارة فخر:

قال في تاريخ العرب قبل الاسلام:

وتعدّ السرقة عيباً عند العرب، لانّها تكون دون علم صاحب المسروق وبمغافلته.

والمغافلة والاستيلاء على شيء من دون علم صاحبه عيب عندهم، وفيه جبن ونذالة.

وأما الاستيلاء على شيء عنوة وباستعمال القوة، فلا يعد نقصاً عندهم ولا شيئاً ولا يعد سرقة، لان السالب قد استعمل حقّ القوة، فأخذه بيده من صاحب المال المسلوب، فليس في عمله جبن ولا غدر ولا خيانة. ولذلك فرقوا بين لفظة (سرق) وبين الالفاظ الاخرى الّتي تعني أخذ مال الغير، ولكن من غير تستر ولا تحايل، فقالوا: (السارق عند العرب من جاء مستتراً إلى حرز، فأخذ مالاً لغيره. فإن أخذه من ظاهر، فهو مختلِس ومستلِب ومنتهب ومحترس، فإن منع ما في يده فهو غاصب)(63).

ولم تعد (الغارة) سرقة ولا عملاً مشيناً يلحق الشين والسبّة بمن يقوم به. بل افتخر بالغارات وعدّ المكثر منها (مغواراً)، لما فيها

من جرأة وشجاعة وإقدام وتكون الغارة بالخيل في الغالب، ولذلك قال علماء اللغة: (أغار على القوم غارة وإغارة دفع عليهم الخيل)(64)، وقد عاش قوم على الغارات، كانوا يغيرون على أحياء العرب، ويأخذون ما تقع أيديهم عليه، ومن هؤلاء (عروة بن الورد)، إذ كان يغير بمن معه على أحياء العرب، فيأخذ ما يجده أمامه، ليرزق به نفسه وأصحابه. بعد أن انقطعت بهم سبل المعيشة، وضاقت بهم الدنيا، فاختاروا الغارات والتعرض للقوافل سبباً من أسباب المعيشة والرزق.

وذكر أهل الاخبار أسماء رجال عاشوا على الغارات وعلى التربص للمسافرين لسلب ما يحملونه معهم من مال ومتاع.

ط ـ الخصومات:

قال في كتاب تاريخ العرب قبل الاسلام:

ويقع النزاع بين الناس، ويقع بين الاهل كما يقع بين الجيران وبين الاباعد. وقد يتحوّل إلى (عراك) وإلى وقوع معارك.

والمشاجرة الخلاف والاشتباك. وقد تكون المشاجرة هيّنة بأن يشاتم ويسابب طرف طرفاً آخر ويعبر عن ذلك باللحاء.

ونظراً لجهل الناس في ذلك الوقت، فشا السباب والتشاتم بينهم. بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء وبين الجنسين. وإذا طال واشتد تدخل الناس في الامر لاصلاح ذات البين. وقد تتطور الخصومة البسيطة فتتحول إلى خصومة كبيرة يساهم فيها آل المتخاصمين وأحياؤهم، وقد يقع بسبب ذلك عدد من القتلى. وقد حفظت كتب الاخبار والادب أسماء معارك وأيام سقط فيها عدد من القتلى بسبب خصومات تافهة، كان بالامكان غض النظر عنها، لو استعمل أحد الجانبين الحكمة والعقل في معالجة الحادث(65).

ي ـ السلب والنهب:

نذكر في هذا الباب مثالاً واحداً بخبر سلب زيد وبيعه في سوق عكاظ:

أبو أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي خرجت به أمّه سعدى بنت ثعلبة من بني معن من طي تزور قومها بني معن، فأغارت على بني معن خيل بني القين فأخذوا زيداً في ما أخذوا وكان عمره ثماني سنوات.

فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي (ص) فنشأ في بيت النبيّ (ص) قبل بعثته وقدم أبوه وعمّه في فدائه إلى مكّة فدخلا على النبيّ (ص) فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه جئناك في ابننا عندك!

فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه! فقال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة فقال رسول اللّه (ص) فهلاّ غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال (ص): ادعوه وخيّروه فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فواللّه ما أنا بالّذي أختار على من أختارني أحداً! قالا: زدتنا على النصف وأحسنت: فدعاه رسول اللّه (ص) فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم! هذا أبي وهذا عمّي؛ قال: فأنا من عرفت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما! قال: ما أريدهما وما أنا بالّذي أختار عليك أحداً أنت منّي مكان الاب والعمّ. فقالا: ويحك!

أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك!؟ قال: نعم ورأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالّذي أختار عليه أحداً أبداً فلمّا

رأى رسول اللّه (ص) ذلك أخرجه إلى الحجر ـ حجر إسماعيل ـ فقال: يا من حضر إن زيداً ابني يرثني وأرثه فلمّا رأى ذلك أبوه

وعمّه طابت نفوسهما وانصرفا فكان يقال له بعد ذلك: زيد بن محمد (ص) وزوجه الرسول (ص) بعد هجرته إلى المدينة ابنة عمّته زينب حفيدة عبد المطلب على كره من أمرها فلم يطق تعاليها عليه واستأذن النبيّ (ص) في طلاقها فقال النبيّ (ص) له: أمسك

عليك زوجك وأوحى اللّه إليه أن يتزوجها بعد طلاقها من زيد ليكون عمله أسوة للمؤمنين فلا يكون عليهم حرج في أزواج أدعيائهم وخشي الرسول (ص) من قول الناس: أنّه تزوج مطلقة من تبناه وأخفى الامر في نفسه فأنزل اللّه عليه:

(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللّهَ وَتُخْفي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللّهُ أحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ وَطَراً زوَّجْنَاكَهَا لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرَاً وَكَانَ أمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيَّ مِنْ حَرَجٍ فِيَما فَرَضَ اللّهُ لَهُ سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مَقْدُوراً *

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدَاً إِلا اللّهَ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبَاً * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلكِن رَسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً) (الاحزاب / 37 ـ 40)(66).


62 المفصل في تاريخ العرب ط. بيروت 1976 م (5 / 67) ورمل من تاج العروس ط. مصر 1306 ه.

63 لسان العرب وتاج العروس مادة، (سرق).

64 تاج العروس مادة (غور).

65 تاريخ العرب قبل الاسلام 5 / 44.

66 راجع تفسير الايات بتفسير الطبري وأمثاله ممن فسر القرآن بالروايات.