د ـ الكهانة
كَهَنَ له يكهَنُ وكهُن يكهُنُ كهانة أخبره بالغيب والكاهن الّذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الاسرار، ومنهم من كان يزعم ان له تابعاً من الجن يلقي إليه الخبر. وكانوا يروجون أقاويلهم باسجاع تروق السامعين يستميلون
بها القلوب(47) كما اشتهر ذلك عن سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود الغساني الّذي كان قبل بعثة الرسول (ص).
وروي ان ملك اليمن ذا جدن أراد أن يجرب علم سطيح لما قدم عليه، فخبأ له ديناراً تحت قدمه ثم سأله عما خبأ له.
فقال سطيح: حلفت بالبيت والحرم والحجر الاصم والليل إذا أظلم والصبح إذا تبسم وبكل فصيح وأبكم لقد خبأت لي ديناراً بين النعل والقدم. فقال الملك: من اين علمك هذا يا سطيح؟ قال: من قبل أخ لي جني ينزل معي فقال له الملك: أخبرني عمّا يكون في الدهور ...(48).
وفي سيرة ابن هشام:
قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم؟ فقال: لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم اللّه ـ تعالى ـمنه موسى(ع). فهو يؤدي إليَّ من ذلك ما يؤديه(49).
وفي صحيح مسلم بسنده عن ابن عباس ما موجزه: بينا الانصار كانوا جالسين ليلة مع رسول اللّه (ص) رمي بنجم فاستنار.
فقال لهم رسول اللّه (ص): ((ماذا كنتم تقولون في الجاهلية، إذ رمي بمثل هذا؟)) قالوا: اللّه ورسوله أعلم. كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم. ومات رجل عظيم. فقال رسول اللّه (ص): ((فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته. ولكن ربّنا، ـ تبارك وتعالى اسمه ـ إذا قضى امراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به. فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون(50)
فيه ويزيدون)).
وفي رواية قبلها:
سأل أناس رسول اللّه (ص) عن الكُهان؟ فقال لهم رسول اللّه (ص): ((ليسوا بشيء)) قالوا: يا رسول اللّه! فإنّهم يحدثون أحياناً الشيء يكون حقاً. قال رسول اللّه (ص): ((تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني. فيقرها في أذن وليه قرّ(51) الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة))(52).
وأخبر اللّه ـ سبحانه ـ عن جهل الجن بالغيب في ما حكى عنهم مع النبيّ سليمان(ع) في سورة سبأ، وقال:
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الاَرْضِ تأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).(الاية / 14)
التفسير: لما قضينا على سليمان بالموت ومات وكان متكأ على عصاه يراقب عمل الجن بقي كذلك متّكأ على عصاه وهو ميّت والجنّ دائبون في عملهم فأكلت الارضة عصاه وسقط، فتبيّن من ذلك أنّ الجن لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا ان سليمان المتكئ على
عصاه أمامهم ميت، ولما لبثوا بعد موته في العذاب المهين لهم.
وأخبر ـ سبحانه ـ عن منشأ علمهم وانّهم كانوا يرهقون من يلوذ بهم من الكهنة وانّه انقطع عنهم منشأ علمهم بعد مبعث خاتم الانبياء في قوله تعالى في سورة الجن:
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عجباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بهِ وَلَنْ نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أحَداً *
... وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الا ِ نْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً * ... وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجْدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شديداً وشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مُنهَا مَقَاعِدَ للسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الاَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً).(الايات / 1 ـ 2 و 6 و 8 ـ 9)
إذاً كانوا يسترقون السمع من الملائكة، ويحدثون بها من يلوذون بهم من كهنة الانس ويزيدونهم في ما يحدثونهم رهقا أي:
سفهاً وكذباً وطغياناً.
وبعد مبعث خاتم الانبياء (ص) منعوا من استراق السمع برمي الشهب إليهم.
من مجموع ما تقدم يظهر أن عمل الجن مع الكهنة كان يستند:
1 ـ إلى أخبارهم الكاهن عن المخبوء عن نظر الانسي، لان الجان ليس لهم جسم يمنعهم من النفوذ إلى تحت قدم الملك ومعرفة الدينار المخبوء ـ مثلا ـ .
2 ـ إلى ما استرقوا إليه من كلام الملائكة عما بلغها من أخبار الغيوب من قبل اللّه سبحانه وهذا ما منعوا عنه بعد مبعث خاتم الانبياء.
3 ـ إلى ما يكذبون فيما يسألون عنه من أخبار الغيوب الّتي لم يعلموا بها، لانّهم لم يكونوا يقولون في مثل هذه الحالة: لا نعلم هذا
الامر الّذي تسألونا عنه، وفي هذه يزيدون الانسان رهقاً.
والكهانة لم تقتصر على العرب الجاهليين قديماً، بل كانت ولا تزال منتشرة بين الامم الجاهلية القديمة والمعاصرة والكهنة كانوا رجال دين الامم الجاهلية يمارسون طقوسهم الدينية.
وقد ظهر أخذ الانس من الجن في عصرنا على شكل ما يسمى باحضار الارواح كما يزعمون!
وقد قرأت ان بعضهم أحضر روح ابن سينا كما زعم واستفسر عنه عن عالم ما بعد الموت، فاجاب. وقرأت عن آخر أنّه زعم أكثر من ذلك. وكل هذا يندرج في باب اتصال الجن بهؤلاء ويجيبهم الجني الوسيط عما يجري في خراج المجلس ويزيدهم رهقاً حين يُطلب من الانسان الوسيط أن يحضر لهم روح انسان قد توفي ويزعم الجني الوسيط انّه ذلك الروح المطلوب حضوره وقد حضر ويجيب عن أسئلتهم بكل كذب يشاؤه.