ثانياً ـ الوضع الاقتصادي ومصادر الثروة في الجزيرة العربية:
كانت قريش خاصة وسكان مكّة عامة يمتهنون التجارة.
وأهل المدينة والقرى الّتي حواليها وأهل الطائف والمدن اليمانية والقرى العربية في العراق وحوالي الشام يمتهنون الغرس والزرع
وتربية الماشية.
وكان من مصادر الثروة لاهل مكّة والطائف والمدينة خاصة ونادراً مالغيرهم من العرب، الربا والقمار ـ الميسر ـ والاكتساب من الجواري في البغاء.
وكان ما عدا سكان المدن من العشائر، قبائل رحل يتبدون ويتنقلون طلباً للماء والكلا لانفسهم ولجمالهم وكان جلهم يغير البعض منهم على البعض الاخر في غزوات يقاتلون فيها الرجال ويسبون النساء والاطفال وينهبون الاموال ولهم أسواق لتبادل سلع فيها وللمفاخرة وما يتصل بها من انشاد شعرائهم ما أحدثوا من شعر وفي ما يأتي بيان ذلك بحوله تعالى.
أ و ب ـ التجارة والايلاف
اتّسعت تجارة قريش منذ عصر هاشم واخوته، كما رواه القرطبي وغيره واللفظ للقرطبي في تفسير سورة قريش، قال:
كان أصحاب الايلاف أربعة أخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب ونوفل، بنو عبد مناف.
فأمّا هاشم، فانّه كان يؤلف ملك الشام، أي أخذ منه حبلا وعهداً يأمن به في تجارته إلى الشام.
وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى الحبشة.
والمطلب إلى اليمن.
ونوفل إلى فارس.
ومعنى يؤلف يجير.
فكان هؤلاء الاخوة يسمون الُمجيرين. وكان تجار قريش يختلفون إلى الامصار بحبل هؤلاء الاخوة، فلا يُتعرض لهم.
والايلاف: شبه الاجارة بالخفارة يقال: آلف يُؤِلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة.
والحمائل: جمع حمولة.
قال: والتأويل: ان قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء والصيف آمنين، والناس يُتَخَطّفون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم اللّه، فلا يتعرض الناس لهم(3).
وأخبر اللّه عن ذلك بقوله:
بَسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لا ِ يلاَ فِ قُرَيْشٍ * إِيلاَ فِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)
وسيأتي في بحث شظف العيش في الجاهلية ان هاشما هو الّذي سن لقريش الرحلتين للتجارة مع بيان سبب قيامه بذلك إن شاء اللّه تعالى:
ج و د ـ الضّرع والزّرع:
ولا حاجة لاطالة الكلام في بيانهما.
هـ الرِّبا
1 ـ في سورة البقرة:
(قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ ومَنْ عَادَ فَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تُصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
2 ـ في سورة آل عمران:
(يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضاعِفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ * وَأطِيعُو اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(الايات / 130 ـ 132)
ـ الرِّبا:
ربا الشيء يربو رباء وربوءاً زاد ونما والربا: الزيادة على رأس المال، والربا المنهي عنه في الاسلام نوعان:
أ ـ أن يدفع انسان لاخر مبلغاً من الذهب أو الفضة إلى أجل معين على أن يأخذ في الاجل زيادة على رأس ماله.
ب ـ أن يدفع جنساً ويأخذ نفس الجنس مع زيادة في الوزن مثل أن يبيع اناء مصنوعاً من ذهب وزنه خمسون مثقالاً ويأخذ بدله خمساً وخمسين مثقالاً من الذهب النقد غير المصنوع.
2 ـ يمحق:
محق الشيء: نقصه، محق اللّه المال أذهب بركته.
3 ـ فاذنوا:
فاسمعوا باعلان حرب من اللّه.
4 ـ النظرة:
الامهال والتأخير.
5 ـ ذو عسرة:
ضيق ذات اليد والعجز عن الوفاء بالدين.
خبر الرِّبا في العصر الجاهلي:
كان الربا في الجاهلية من مصادر الثراء لاهل مكّة والطائف واليهود في المدينة وحواليها.
وذكر المفسرون مثل السيوطي في تفسير (وَذَرُوا مَا بَـقِيَ مِنَ الرِّبَا) أنواعاً من الربا في الجاهلية منها:
أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل فإذا حلّ الاجل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ وإلاّ زاده في حقه وزاده الاخر في الاجل.
وكان العباس عمّ النبيّ ورجل من بني المغيرة شريكيين في الجاهلية يسلفان في الربا فجاء الاسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، وقال رسول اللّه (ص) في خطبته في حجة الوداع: ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع (فَلَكُمْ رُؤوسُ أمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا
تُظْلَمُونَ) وأوّل ربا موضوع ربا العباس(4).