عندما هاجر الرسول (ص) إلى المدينة آخى بين المهاجرين من قريش من نسل نزار ورجال من الاوس والخزرج من الانصار من نسل قحطان(40) فعاشوا بوئام وإخاء حتى إذا انتهوا من معركة غزوة بني المصطلق وقعت أول منافرة بينهما عندما وردت واردة الناس على ماء المريسيع، فازدحم على الماء جهجاه بن مسعود وهو يقود فرس عمر بن الخطاب، وسنان بن وبر الجهني حليف الخزرج، فاقتتلا، فصرخ الجهني يا معشر الانصار!
وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين!
فغضب عبداللّه بن أبي بن سلول الخزرجي رئيس المنافقين وعنده رهط من قومه، فقال: أو قد فعلوها، قد نافرونا، وكاثرونا في بلادنا! واللّه ما عدنا وجلابيب قريش هذه إلاّ كما قال الاوّل: ((سمن كلبك يأكلك))!
أمّا واللّه لان رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الاعزّ منها الاذلّ.
ثمّ قال لمن حضره من قومه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوّلوا إلى غير داركم.
فبلغ ذلك رسول اللّه، وأشاروا عليه بقتله، فلم يقبل، وإنّما عالج الامر بحكمة، حيث أمر بالرحيل في غير ساعة الرحيل، وسار بالناس يومهم ذلك حتّى أصبح، وصدر اليوم الثاني حتّى آذتهم الشمس، فلما نزل بهم ومس جلدهم الارض، وقعوا نياماً وبذلك شغلهم عن حديث المنافرة.
وفي هذه الواقعة نزلت سورة (المنافقون) ومنها الاية / 8
(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاَذَلَّ وَللّهِ ِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
وبلغ حسان بن ثابت الانصاري الّذي وقع بين جهجاه وبين الفتية الانصار، فقال وهو يريد المهاجرين:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد(41)
الابيات
فجاء صفوان بن المعطّل إلى بعض المهاجرين وقال: انطلق بنا نضرب حسّاناً، فواللّه ما أراد غيرك وغيري.
ولما أبى المهاجري ذلك ذهب صفوان وحده، مصلتا بالسيف حتى ضرب حساناً في نادي قومه، وجرحه وقال:
تلق ذباب السّيف عنِّي فانّني
غلام إذا هوجيت لست بشاعر(42)
ثمّ أصلح الرسول بينهم، وانتهت بذلك أول منافرة وقعت بين فرعي القبيلتين بعد أن عالجها الرسول بحكمته.
ووقعت الثانية يوم وفاة الرسول (ص)، وذلك لان المجتمع العربي في شبه الجزيرة كان يتوزع على مجتمعات قبليّة متعدّدة، وبعد هجرة الرسول إلى المدينة وفتح مكّة أصبحت المجتمعات المتعددة يحكمها مجتمع المدينة الواحد المتكون من المهاجرين والانصار.
وكان المهاجرون جلّهم من مكّة ماعدا النادر منهم وهم ينتمون إلى قريش وحلفائها ومواليها والانصار كلّهم من اليمن ومن قبائل سبأ؛ وبذلك تحولت العصبيّة القبيليّة المتعدّدة إلى التعصّب بين مهاجرة قريش ومن انتمى إليها من نزار والانصار ومن أنتمى إليها من السبأيين.
وأوّل شجار وقع بينهما بعد الرسول (ص) حدث في سقيفة بني ساعدة ثمّ امتدّ إلى عصور طويلة بعد ذلك كما سندرسه في ما يأتي بحوله تعالى.
* * *
زالت الاعراف الجاهلية ظاهراً عن شبه الجزيرة العربية بعد نزول سورة البراءة واعلامها على الحجيج المسلم والمشرك في منى في السنة التاسعة من الهجرة.
وأصبح المجتمع الاسلامي من جانب الحاكم وقليل من افراده اسلاميا انسانيا وفي سلوك الكثرة الكاثرة من افراده مزيجاً من الاعراف القبيلية الجاهلية والاخلاق الاسلامية ومن قبل بعض آخر من افراده قبلي جاهلي محض وهم الذين سموا بالمنافقين.
وكان أهمّ ميزة هذا العصر بقاء الاحساس القبيلي بين افراده سواء منهم المؤمن والمنافق والّذي كان تظهر آثاره بين حين وآخر في المجتمع، فيعالجها الرسول (ص) بحكمته. وكان ذلكم خصائص المجتمع في هذا العصر.
نكتفي من أخبار القرآن بمكّة لندرس في ما يأتي بحوله تعالى أخبار القرآن في العصر المدني.