سابعاً ـ خصائص المجتمع الاسلامي على عهد الرسول (ص):

وعندما بعث الرسول (ص) قوّض بالاسلام النظام القبيلي في الجزيرة العربية والنظام الطبقي في سائر المجتمعات البشرية في ما

بلّغ عن اللّه قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاُكْم شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

(الحجرات / 13)

وبقوله في خطبته (ص) وسط ايام التشريق عام حجة الوداع:

((يا أيّها الناس! الا انّ ربكم واحد وانّ اباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لاحمر على أسود

ولا لاسود على أحمر إلاّبالتقوى، أبلّغت؟ قالوا: بلّغ رسول اللّه (ص)!(34).

وعلى هذا الاساس اقام (ص) المجتمع الاسلامي الاول في المدينة المنورة، فعاش فيه سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وابو ذر العربي البدوي متآخين كأسنان المشط لا تفاضل بينهم، واربى على ذلك حين زوّج مولاه زيدا ابنة عمته زينب حفيدة عبد المطلب، وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب المقداد بن عمرو مولى بني زهرة  (35)، ووظف على بلال الحبشي الاذان حتى علا سطح الكعبة يوم الفتح وأذن عليها.

وكان من الطبيعي أن يظهر أحياناً في ذلك المجتمع المثالي آثار التعصب القبيلي بين صحابة الرسول (ص) الذين نشأوا وعاشوا قبل الاسلام في المجتمع الّذي بنيت أُسسه على النظام القبيلي ونقتصر بذكر بعض أخبارها في ما يأتي بإذنه تعالى:

أ ـ التعصب القبيلي للصحابة المهاجرين من قريش

1 ـ روى مسلم عن عائذ بن عمرو:

(ان أبا سفيان اتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا واللّه ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدو اللّه مآخذها.

قال ابو بكر: اتقولون هذا لشيخ قريش وسيِّدهم).

قال محمّد فؤاد عبدالباقي في شرح الحديث:

هذا الاتيان لابي سفيان كان، هو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية(36).

2 ـ في سنن الدارمي وأبي داود ومسند أحمد وغيرها بسندهم عن عبداللّه ابن عمرو بن العاص انّه قال:

((كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه (ص)، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه (ص) ورسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب والرضا؟

فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال: ((أُكتب فوالّذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ))(37).

انّ التعصب الجاهلي هو الّذي دفع الصحابة القرشيين أن يمنعوا عبداللّه بن عمرو بن العاص من كتابة الحديث لما كان فيه ذكر اسماء القرشيين الذين ناهضوا الرسول، وحاربوا الاسلام والمسلمين، وجاء ذكر أفعالهم في القرآن الكريم وبيان اسمائهم في

حديث الرسول (ص).

ب ـ التعصب القبيلي في قبائل الانصار

خبر مسجد ضرار

قال تعالى في سورة التوبة / 107:

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدَاً ضِرَاراً وَكُفْرا وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)

قال ابن عباس: (وَالَّذِين اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً) هم أناس من الانصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: إبنوا مسجدكم، واستمدوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإنّي ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمّداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا الرسول (ص) فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنُحب أن تصلي فيه، وتدعو بالبركة، فأنزل اللّه (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً)(38).


34 مسند أحمد 5 / 411.

35 راجع في خبر زواج زينب بنت جحش بحث صفات المبلغين من عقائد الاسلام من القرآن الكريم وخبر زواج ضباعة في ترجمة ضباعة من الاصابة.

36 صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل سلمان وصهيب وبلال 4/ 1947، وفي ترجمة (سلمان) و(صهيب) و(بلال) من سيرة النبلاء 2 / 15؛ واللفظ لمسلم الاستيعاب 2 / 639 ط. مصر، تحقيق علي محمّد البجاوي. أ ـ أبو عبداللّه سلمان الفارسي كان مجوسياً ثمّ تنصر قبل بعثة رسول اللّه (ص) وقصد المدينة ليدرك الرسول، فصحب قوما من العرب، فأسروه، وباعوه

لرجل من يهود المدينة. فرأى رسول اللّه (ص)، وعرف فيه علامات النبوّة، وأسلم على يديه، فاشتراه رسول اللّه (ص)، وأعتقه وهو الّذي أشار على النبيّ يوم الخندق بحفر الخندق، وقال النبيّ في حقّه يوم ذاك: سلمان منّا أهل البيت، وتوفي في عصر عثمان سنة خمس وثلاثين في المدائن أميرا عليها ودفن هناك.

أسد الغابة 2 / 228 ـ 232.

ب ـ صهيب بن سنان الربعي النمري، كان أبوه عاملاً لكسرى على الابلة، فغارت الروم عليهم، وأسرت صهيبا فنشأ فيهم، ثمّ باعته إلى كلب فجاءت به إلى مكّة، فباعته من عبداللّه ابن جدعان فأعتقه، وكان من السباقين إلى الاسلام الّذين ع ذبوا في مكّة، وكناه الرسول أبا يحيى، وكان في لسانه لكنة. توفي بالمدينة سنة ثمان أو تسع وثلاثين ودفن بها وكان ابن سبعين أو ثلاث وسبعين. أسد الغابة 3 / 31 ـ 33.

ج ـ بلال بن رباح الحبشي، وأمه حمامة، كان من السابقين إلى الاسلام، فعذبته قريش، فكانت تبطحه على وجهه في الشمس، وتضع الرحاء عليه حتى تصهره الشمس، ويقولون له: أكفر بربّ محمّد، فيقول: أحد، أحد، وأشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان مؤذن رسول اللّه (ص)، وخازنه، وشهد معه مشاهده كلّها، وذهب بعد النبيّ إلى الشام غازياً، وتوفي هناك في العشر الثاني بعد الهجرة، وعمره بضع وستون سنة. أسد الغابة 1 / 209.

37 سنن الدارمي، 1 / 125، باب من رخص في الكتابة من المقدمة، وسنن أبي داود 2 / 126، باب كتابة العلم، ومسند أحمد 2 / 162، 192 و 207 و215، ومستدرك الحاكم 1 / 105 ـ 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1 / 85 ط. الثانية، ط. العاصمة بالقاهرة سنة 1388.

وعبداللّه بن عمرو بن العاص قرشي سهمي وامه ريطة بنت منبه السهمي كان أصغر من أبيه بإحدى عشرة أو أثنتى عشرة سنة. اختلفوا في وفاته أكان بمصر أو الطائف أو مكّة وعام 63 أو 65. راجع ترجمته بأسد الغابة 3 / 23، والنبلاء 3 / 56، وتهذيب التهذيب 5 / 337.

38 في الطبري 11 / 18 ـ 20 والدر المنثور 3 / 276 عن ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبو عامر عبد عمرو بن صيفي الراهب كان رأس الاوس في الجاهلية وترهّب لما بلغه من اليهود ان خاتم الانبياء يكون في المدينة املا في أن يكون هو النبيّ المبشر له فلمّا هاجر الرسول إلى المدينة حسد رسول اللّه فلم يسلم وجاهر الرسول بالعداوة وخرج إلى مكّة وحرّضهم لحرب رسول اللّه (ص) ثمّ ذهب إلى قيصر لنفس الغرض.