سادساً ـ تدوين القرآن
أ ـ من كان يقرأ ويكتب في مكّة:
ونبدأ فيه بذكر أمر الكتابة في مكّة قبل نزول القرآن ثمّ نذكر باذنه تعالى شأن تدوين القرآن بمكة.
أمر الكتابة في مكّة قبل نزول القرآن.
قال البلاذري في فتوح البلدان:
دخل الاسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلُّهم يكتب وهم: عمر بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجرّاح وطلحة ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حُذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو أخو سهيل بن عمرو العامري من قريش، وأبو سلمة بن عبد الاسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاصي بن أميّة، وخالد بن سعيد أخوه، وعبداللّه بن سعد ابن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزّى العامري، وأبو سفيان، وجُهَيم بن الصّلت بن مَخرّمة بن المطلب بن عبد مناف، ومن حُلفاء قريش العلاء بن الحضرمي(31).
أمّا أمر تدوين القرآن، فان النظام الّذي كان قد سنّه الرسول (ص) لتدوين القرآن في مكّة والمدينة كان امراً واحداً وسوف ندرس نظام تدوين القرآن في أخبار القرآن في المدينة ان شاء اللّه تعالى.
ب ـ كيفية الاقراء:
ينقسم قراءة القرآن وتدوينه في العصر المكي إلى ما يخصّ الرسول (ص) وما يعمّ المسلمين كالاتي:
1 ـ ما يخصّ الرسول (ص):
إن أول ما أقرأ اللّه ـ جلّ جلاله ـ رسوله (ص) من القرآن الكريم الايات الخمس الاولى من سورة اقرأ حيث قال سبحانه:
أ ـ في سورة العلق:
(بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الانسان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الانسان مَا لَمْ يَعْلَمْ)
ب ـ في سورة الاعلى:
(سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى)
ج ـ في سورة القيامة:
(لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)
وفي صحيحي مسلم والبخاري واللفظ للاول(32): بسندهما عن فاطمة إن رسول اللّه (ص) قال لها ـ في مرض وفاته ـ : إن جبريل كان يعارضه بالقرآن كلّ عام مرّة وأنّه عارضه به في هذا العام مرّتين، ولا أراني إلاّ قد حضر أجلي.
كان ذلكم أمر إقراء اللّه ـ جلّ اسمه ـ نبيّه الكريم (ص) القرآن سواء كان في مكّة أو في المدينة.
2
ـ ما يعمّ المسلمين بمكة:
من خبر إقراء خباب بن الارت فاطمة أخت عمر بن الخطاب وزوجها علمنا انّ الرسول (ص) كان قد نظّم خلايا سريّة لاقراء المسلمين القرآن بمكة. وفي ما يأتي بعض أخبار القرآن لدى المهاجرين من مكّة إلى الحبشة.
المسلمون والقرآن في الحبشة:
في سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وغيرهما ما موجزه:
لما اشتدّ اذى قريش للمؤمنين الذين أظهروا اسلامهم أمرهم الرسول بالهجرة إلى الحبشة فهاجر زهاء ثمانين رجلاً وامرأة من المسلمين فأجارهم النجاشي ملك الحبشة فبعثت قريش بهدايا إلى مع عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وطلبت منه أن يعيدهم إلى مكّة فجمع النجاشي بين المسلمين وعمرو وعمارة فقرأ جعفر عليه صدر سورة كهيعص ـ سورة مريم ـ فبكى النجاشي حتّى اخضلت لحيته وأبى أن يعيد المسلمين إلى قومهم قريش(33).
لم يعيّن ابن هشام وغيره إلى أيّة آية قرأ جعفر من سورة مريم ولابدّ أنه قرأ صدر السورة إلى الاية 34 منها والّتي جاء فيها ذكر زكريا ويحيى وعيسى ومريم (ع) .
إن خبر ابن مسعود وخبر جعفر يدلاّن على أن المسلمين كانوا يحفظون ما نزل من القران ما يساعدهم أن يقرأوا في كل مكان ما يناسبهم، كما أن خبر خليّة بيت فاطمة ابنة الخطاب كان يدل على وجود القرآن مكتوبا عند المسلمين بمكّة.
31 فتوح البلدان للبلاذري ط. بيروت دار النشر للجامعيين سنة 1377 ه، ص 660 ـ 661.
32 صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة (ع) الحديث رقم 98 و 99، 4/ 1905، وصحيح البخاري 3 / 151، كتاب فضائل القرآن باب كان جبرئيل يعرض القرآن على النبيّ (ص)، ومسند أحمد 6 / 282، وسنن ابن ماجة كتاب الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول اللّه (ص) ص 518 الحديث 1621.
33 سيرة ابن هشام 1 / 359 ـ 360؛ وطبقات ابن سعد، 1 / 207؛ وسيرة ابن اسحاق ص 194.