قص اللّه أخبار خصومة قريش مع القرآن ومبلغه واحتجاجهم الواهي وكيف أجاب عنها في الايات الاتية:
أ ـ أخبر عن تعنتهم في سورة ((ص)) وقال:
(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلهَاً وَاحِداً إِنَّ هذَا لَشَيْء عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذَا لَشِيْء يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي الْمِلَّةِ الاخِرَةِ إِنْ هذَا إِلا اخْتِلاَقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذَّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ)
(الايات / 4 ـ 8)
وروى الطبري وغيره في شأن نزول الايات واللفظ للطبري قال:
إن ناساً من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض، انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الّذي يعبد، فإنّنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه فبعثوا رجلاً منهم يسمّى المطلب فاستأذن لهم على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فانصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه فبعث اليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول اللّه (ص) قال يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم قد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك والهك فقال أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال: وإلامَ تدعوهم، قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة يدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم، فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك فنعطينكها وعشر أمثالها قال: تقول ((لا إله إلاّ اللّه)) فنفروا وقالوا سلنا غير هذه قال لو جئتموني بالشمس حتّى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فغضبوا وقاموا من عنده غضابا وقالوا: واللّه لنشتمنك وإلهك الّذي يأمرك بهذا:
(وَانْطَلِقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذا لَشِيْء يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الاخِرَةِ إِنْ هذَا إِلا اخْتِلاقٌ)
(الايات / 6 ، 7)(16).
وأيضا أخبر اللّه تعالى عن تعنتهم في الايات / 43 ـ 45 من سورة سبأ وقال:
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) وأجاب اللّه عن مثل هذا النوع من التحجج وأقام البراهين على عجز آلهتهم وصحّة رسالة خاتم الانبياء في آيات كثيرة نورد بعضها في ما يأتي بحوله تعالى:
ب ـ قال سبحانه في اثبات التوحيد ونفي الالهة الّتي يعبدونها في الاية 10 و11 من سورة لقمان:
(خَلَقَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الاَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هذَا خَلْقُ اللّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)
وقال في الاية 4 و 5 من سورة الاحقاف:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الاَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّموَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذا أَوْ اثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مَن دُونِ اللّهِ مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) وقوله تعالى في الاية 3 من سورة الفرقان:
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاَنْفُسِهِمْ ضَرَّاً وَلاَ نَفْعَاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتَاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً)
(الاية / 3)
ووصفهم في الاية 21 من سورة النحل وقال:
(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)
وأخبر أنّهم ومن معهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن وقال سبحانه في سورة البقرة:
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (الايات / 23 ، 24)
ولم يستطع مشركو قريش ولا الدهريون ولا الزنادقة والملحدون ولا اليهود ولا النصارى ولا أي خصم آخر أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولن يفعلوا أبد الدهر ولن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان الخصوم بعضهم لبعض ظهيراً.
وتحداهم سبحانه في قولهم إنّ القرآن مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كانوا صادقين وقال سبحانه في سورة هود:
(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * أَوْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مَثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَنْ لاَ إِلهَ إِلاهُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (الايات / 12 ـ 14)
وفي آية أخرى تحداهم بأن يأتوا بسورة مثله وقال في سورة يونس:
(وَمَا كَانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنْ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) (الايات / 37 ـ 40)
ج ـ وأجاب عن تشكيكهم في المعاد في الايات 78 ـ 83 من آخر سورة ياسين وقال سبحانه وتعالى:
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحِييهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ*الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الاَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالاْ َرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
روى المفسِّرون وقالوا: أنزل اللّه تعالى هذه الايات الكريمة بعد أن قدم العاص بن وائل وأبو جهل وغيرهما من عتاة قريش بعظم حائل أمام الرسول (ص) فذراه في الريح وقال من يحيي العظام وهي رميم؟
وفي رواية أتى أُبي بن خلف إلى النبيّ (ص) ومعه عظم قد وتر فجعل يفته بين أصابعه ويقول: يا محمد! أنت الّذي تحدث إن هذا
سيحيا بعدما قد بلي فقال رسول اللّه (ص) نعم ليميتن الاخر ـ أي يميتن ابيا ـ ثمّ ليحيينه ثمّ ليدخلنه النار(17).
* * *
واندحرت قريش في مقابلة الادلة الّتي أقامها القرآن لهم فتحججوا واقترحوا اقتراحات غير معقولة كالاتي خبره: