ب ـ تعنت قريش برسول اللّه (ص)

مرة أخرى اجتمعت سادة قريش برسول اللّه (ص) في البيت وحاولت أن تقنعه بترك الدعوة وحاوروه بعنف وغلظة وسوء

أدب كما نذكره في الخبر الاتي:

روى الطبري وابن كثير والسيوطي في تفسير قوله تعالى (لَنْ نُؤْمِنْ لَكَ ...) من سورة الاسراء الايات / 90 ـ 93 واللفظللاول:

ان عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلاً من بني عبد الدار وأبا البختري أخا بني أسد والاسود بن المطلب وزمعة بن الاسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبداللّه بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبّها ابني الحجاج السهميين اجتمعوا أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه ان اشراف قومك قد اجتمعوا اليك ليكلّموك فجاءهم رسول اللّه (ص) سريعاً وهو يظن أنّه بدا لهم في أمره بداء وكان عليهم حريصا يحبّ رشدهم، ويعزّ عليه عنتهم، حتى جلس إليهم.

فقالوا: يا محمد انا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وانّا واللّه ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الاباء، وعبت الذين وسفهت الاحلام، وشتمت الالهة، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح الا وقد جئته فما بيننا وبينك.

فان كنت انّما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً.

وان كنت انّما تطلب الشرف فينا سودناك علينا.

وان كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا.

وان كان هذا الّذي يأتيك بما يأتيك به رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب لك. حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.

فقال رسول اللّه (ص): ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيرا فبلغتكم رسالة ربّي، ونصحت لكم فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والاخرة وان تردوه عليّ أصبر لامر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.

فقالوا: يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنّه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشا منا فسل ربّك الّذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال الّتي قد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا وليفجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فانّه كان شيخا صدوقاً، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل فان صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند اللّه وأنّه بعثك بالحقّ رسولاً كما تقول.

فقال لهم رسول اللّه (ص): ما بهذا بثعت، انّما جئتكم من اللّه بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به اليكم، فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والاخرة وان تردوه عليّ أصبر لامر اللّه، حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.

قالوا: فان لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربّك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وتسأله فيجعل لك جنانا وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي فانك تقوم بالاسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضل منزلتك من ربك ان كنت رسولاً كما تزعم.

فقال لهم رسول اللّه (ص): ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت اليكم بهذا ولكن اللّه بعثني بشيراً ونذيراً فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والاخرة وان تردوه عليّ اصبر لامر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.

قالوا فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك ان شاء فعل فانّا لا نؤمن لك إلاّ أن تفعل.

فقال رسول اللّه (ص): ذلك إلى اللّه ان شاء فعل بكم ذلك.

فقالوا: يا محمد فاعلم ربك أنّا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم اليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك أيضا اذا لم تقبل منا ما جئنا به فقد بلغنا أنه انما يعلمك هذا رجل بالميامة يقال له الرحمن وأنا واللّه ما نؤمن بالرحمن أبداً أعذرنا اليك يا محمد أمّا واللّه لا نتركك وما بلغت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.

قال قائلهم نحن نعبد الملائكة وهن بنات اللّه وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا باللّه والملائكة قبيلاً فلمّا قالوا ذلك قام رسول اللّه (ص) عنهم وقام معه عبداللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبداللّه بن عمرو بن مخزوم وهو ابن عمته ابن عاتكة ابنة عبد المطلب فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثمّ سألوك لانفسهم أموراً ليعرفوا منزلتك من اللّه فلم تفعل ذلك ثمّ سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فواللّه لا أومن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وايم اللّه لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك ثمّ انصرف عن رسول اللّه (ص) وانصرف رسول اللّه (ص) إلى أهله حزيناً أسيفاً لما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم اياه.

فلما قام عنهم رسول اللّه (ص) قال أبو جهل: يا معشر قريش ان محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا وإني أعاهد اللّه لاجلسن له غداً بحجر قدر ما أطيق حمله فاذا سجد في صلاته فضخت رأسه به(14).

فانزل اللّه عليه في ذلك: (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... بَشَراً رَسُولاً) وأنزل عليه في قولهم (لن نؤمن بالرحمن) (كَذلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ) وأنزل عليه فيما سأله قومه لانفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الجبال وبعث من مضى من آبائهم من الموتى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ...).

وأخبر اللّه عن تعنتهم برسول اللّه (ص) : في سورة الاسراء وقال سبحانه وتعالى:

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الا ِ نْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُوراً * وَقَالُوا لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الاَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّمَاء وَلَن نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدى إِلا أن قَالُوا أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الاَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماء مَلَكاً رَسُولاً * قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) (الايات / 88 ـ 96)(15).

واستمرت قريش في تعنتها برسول اللّه كما أخبر اللّه عن موقفهم في آيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة الفرقان:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالاْ َرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاِ َنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشوُراً * ... وَقَالُوا مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُوراً * ... وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً * ... وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)

(الايات / 1 ـ 3 و 7 ـ 8 و 20 و 32)

وقوله تعالى في سورة الانعام:

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الاَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الاْ َرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الايات / 7 ـ 11)

* * *

لم تنجح جميع محاولات قريش في اسكات الرسول عن الدعوة إلى القرآن بما فيه من عيب لالهتهم وتسفيه لاحلامهم فاشتدت خصومتهم للرسول وقرآنه كما نذكر امثلة منها في ما يأتي بحوله تعالى.


14 تفسير الاية بتفسير الطبري 15/ 110 ـ 111، وتفصيله في سيرة ابن اسحاق ص 178ـ181، وتفسير ابن كثير 3 / 62.

15 انظر تفسير الاية من التفاسير وسيرة ابن هشام 1 / 331 ـ 332.