رابعاً ـ مقابلة قريش للقرآن الكريم:
أخبر اللّه سبحانه عن استهزاء قريش برسول اللّه (ص) وقال في سورة الانبياء:
(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُواً أهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كَافِرُونَ) (الاية / 36)
وأخبر عن قريش انّهم كانوا يصفون الرسول (ص) بأنّه شاعر ومجنون وقال: في سورة الصافات:
(إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إلا اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لَشَاعِرٍ مَجْنُونٌ) (الايات / 35 ، 36)
وانّهم كانوا يقولون انّ القرآن قول شيطان رجيم كما أخبر عن ذلك في سورة التكوير قوله تعالى:
(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينَ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (الايات / 22 ـ 27)
وأخبر عنهم أنّهم كانوا يصفون الرسول بأنّه رجل مسحور وقال تعالى في سورة الاسراء:
(وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُوراً) (الايات / 46 ، 47)
كان هذا النوع من المقابلة للقرآن الكريم من باب (... وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا...)(النمل /14) مع شعورهم بعجزهم عن مقابلة القرآن الكريم كما ندرس ذلك في ما يأتي:
أ ـ قريش تتشاور كيف تمنع تأثير القرآن في النفوس:
ذكر ابن هشام(8) وغير واللفظ لابن هشام في خبر تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن وقال: اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، انّه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا راياً نقل به؛ قال بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا: نقول كاهن؛ قال لا واللّه ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة(9) الكاهن ولا سجعه؛ قالوا: فنقول: مجنون؛ قال: ماهو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخلجه ولا وسوسته؛ قالوا: فنقول: شاعر؛ قال: ما هو بشاعر: لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول: ساحر؛ قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم(10).
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: واللّه إنّ لقوله لحلاوةٌ، وان أصله لعذق(11) ـ وإن فرعه لجناة ـ قال ابن هشام: ويقال لغَدَق(12) وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنّه باطل، وإن أقرب القول فيه لان تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المءر وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المءر وزوجته، وبين المءر وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبُل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحدٌ إلاّ حذروه إيّاه، وذكروا لهم أمره فأنزل اللّه ـ تعالى ـ في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله:
(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لايَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) (المدّثر / 11 ـ 26)
قريش تقترح حلاّ ً وسطا بينهم وبين الرسول (ص)
ومرّة أخرى اقترحت حلاً وسطاً بينهم وبين الرسول في عبادة الالهة كما رواه المفسرون وفي تفسير (سورة الكافرون) وابن هشام في السيرة واللفظ لابن هشام.
قال: الاسود بن المطلب والوليد بن المغيرة واميّة بن خلف والعاص بن وائل السهمي اعترضوا رسول اللّه (ص) وهو يطوف بالكعبة وكانوا ذوي اسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد هلم، فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الامر فان كان الّذي تعبد خيراً مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وان كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه فأنزل اللّه في ردّ اقتراحهم الجاهلي(13).
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ يَا أَيُّها الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)
8 سيرة ابن هشام 1 / 283 ـ 284، وابن اسحاق ص 131 ـ 132.
9 الزمزمة: الكلام الخفي الّذي لا يسمع.
10 إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطاً ثمّ ينفث فيه. ومنه قوله تعالى (ومن شر النّفاثات في العقد)، يعني الساحرات.
11 العذق (بالفتح): النخلة يشبهه بالنخلة الّتي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جنى.
12 الغدق: الماء الكثير، ومنه يقال: غيدق الرجل: إذا كثر بصاقه. وكان أحد أجداد النبيّ (ص) يسمى الغيدق، لكثرة عطائه.
13 تفسير السورة في التفاسير واللفظ لابن هشام في السيرة 1 / 386.