ثالثاً بدة الدعوة:

1 ـ دعوة أقارب الرسول (ص):

وبدأ التبليغ علنا بدعوة بني عبد المطلب ثمّ عمّ تبليغه للناس أجمعين بيّن اللّه شعار الرسول في التبليغ في هذه المرحلة وقال في سورة الانعام / 19:

(... وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لاُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ...)

فبدأ بدعوة بني عبد المطلب كما روى ذلك جمع من أهل الحديث والسير مثل: الطبري، وابن عساكر، وابن الاثير وابن كثير،

والمتقي، وغيرهم ـ واللفظ للاول ـ قال عن علي بن أبي طالب(ع) قال:

لمّا نزلت هذه الاية على رسول اللّه (ص) (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) دعاني رسول اللّه (ص) فقال لي: يا عليّ إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقتُ بذلك ذرعاً، وعرفتُ انّي متى أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمتُّ عليه حتّى جاءني جبريل، فقال: يا محمد انّك إلاّ تفعل ما تؤمر به يُعذّبك ربُّك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجْل شاةٍ، واملا لنا عُسّاً من لبن ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أُكَلِّمهُم، وأُبلغهم ما أُمرت به.

ففعلتُ ما أمرني به ثمّ دعوتُهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه فيهم اعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعتُ لهم، فجئتُ به فلمّا وضعته، تناول رسول اللّه(ع) حذيةً من اللحم، فشقّها بأسنانه، ثمّ القاها في نواحي الصَّحفة ثمّ قال، خذوا بسم اللّه فأكل القومُ حتى مالهم بشيء حاجة، وما أرى إلاّ موضع ايديهم وايم اللّه الّذي نفس عليّ بيده وان كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمتُ لجميعهم، ثمّ قال اسقِ القوم، فجئتُهم بذلك العُسّ، فشربوا منه، حتى رووا منه جميعاً وايم اللّه ان كان الرجل الواحد منه ليشرب مثله.

فلمّا أراد رسول اللّه (ص) ان يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال لهدَّما سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم، ولم يكلّمهم رسول اللّه (ص) فقال الغد يا عليّ انّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أُكلّمهم، فعُدْ لنا من الطعام بمثل ما صنعتَ ثمّ اجمعهم إليّ.

قال: ففعلتُ، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقرّبتهُ لهم ففعل كما فعل بالامس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء به حاجة. ثمّ قال:

اسقهم فجئتهم بذلك العُسّ فشربوا حتى رووا منه جميعاً ثمّ تكلم رسول اللّه (ص) فقال يا بني عبد المطلب انّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بافضل مما قد جئتُكم، به انّي قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة وقد أمرني اللّه ـ تعالى ـ أن أدعوكم إليه فأيُّكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

قال فاحجم القوم عنها جميعاً وقلتُ وانّي لاحدثهم سِنّا وارمصهم عيناً واعظمهم بطناً واحمشهم ساقاً انا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي ثمّ قال: انّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا.

قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(4).


4 تاريخ الطبري ط. أوروبا 1 / 1171 ـ 1172. وابن عساكر تحقيق المحمودي 1 / 88 من ترجمة الامام. وتاريخ ابن الاثير 2 / 222. وشرح ابن أبي الحديد 3 / 263. وفي تاريخ ابن كثير 3 / 39، وقد حذف الالفاظ وقال: كذا وكذا. وكنز العمال للمتقي 15 / 100 و 115 و 116 منه، وفي ص 130: يكون أخي وصاحبي ووليّكم بعدي. والسيرة الحلبية نشر المكتبة الاسلامية ببيروت 1 / 285.

ولهدّما: كلمة تعجب. وفي الاصل: (لقدما) تحريف.