أ ـ قيام قريش لمقابلة الاثر الفكري للقرآن الكريم:
بذلت قريش جهوداً ضخمة لصد الاثر الفكري للقرآن المكي عن الناس نذكر منها على سبيل المثال الموارد الاتية:
ذكر ابن عساكر وغيره في ترجمة عتبة ما موجزه قال: ان قريش جتمعت برسول اللّه (ص) ورسول اللّه (ص) في المسجد، فقال لهم عتبة بن ربيعة دعوني حتى أقوم إلى محمد، فاكمله، فإنّي عسى أن أكون أرفق به منكم.
فقام عتبة، حتى جلس إليه، فقال يا ابن أخي: إنك أوسطنا بيتا وأفضلنا مكانا وقد أدخلت على قومك ما لم يدخل رجل على قومه قبلك، فان كنت تطلب بهذا الحديث مالاً، فذلك لك على قومك ان تجمع لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وان كنت تريد شرفاً فنحن مشرفوك، حتى لا يكون أحد من قومك فوقك، ولا نقطع الامور دونك.
وان كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر عن النزوع عنه، بذلنا لك خزائنا في طلب الطب لذلك منه.
وان كنت تريد ملكاً ملكناك.
قال رسول اللّه (ص): أفرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم.
فقرأ (ص) حم السجدة حتى مر بالسجدة فسجد وعتبة ملق يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها.
وقام عتبة لا يدري ما يراجعه به حتى أتى، نادى قومه فلما رأوه مقبلا قالوا لقد رجع اليكم بوجه ما قام به من عندكم.
فجلس اليهم فقال يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به حتى اذا فرغت كلمني بكلام لا واللّه ما سمعت أذناي بمثله قطفما دريت ما أقول له يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني فيما بعده اتركوا الرجل واعتزلوه فواللّه ما هو بتارك ما هو عليه وخلوا بينه وبين سائر العرب فان يكن يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم وعزّه عزّكم وملكه ملككم وان يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم.
قالوا: أصبأت اليه يا أبا الوليد(2).
* * *
تأثر جمع من أفراد قبائل قريش بالقرآن، وآمنوا به، وسنشير إلى خبرهم في آخر هذا البحث ـ ان شاء اللّه تعالى ـ، ولم ينحصر تأثير القرآن في قريش وحدها بل كان تأثيره في العرب، من غير أفراد قريش أكثر من تأثيره في قريش كما نرى مثله في خبر قيام قريش لمقابلة الاثر الفكري الاتي:
ب ـ الاثر الفكري والادبي للقرآن المكّي في الانسان العربي من غير قريش:
قصة اسلام الطفيل بن عمرو الدوسي:
روى ابن هشام(3) وغيره واللفظ لابن هشام، قال:
(كان رسول اللّه (ص)، على ما يرى من قومه، يبذل لهم النصحية ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه اللّه منهم، يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب.
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث: أنّه قدم مكّة ورسول اللّه (ص) بها، فمشى اليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: يا طفيل، إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الّذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئاً.
قال: فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أم لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا
من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه.
قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللّه (ص) قائم يصلي عند الكعبة.
قال: فقمت منه قريبا فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله.
قال: فسمعت كلاما حسناً.
قال: فقلت في نفسي واثكل أمي، واللّه إنّي لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل
ما يقول! فإن كان الّذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
قال: فمكثت حتّى انصرف رسول اللّه (ص) إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فواللّه ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرْسُف، لئلا أسمع قولك، ثمّ أبى اللّه إلاّ أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسناً، فاعرض عليّ أمرك.
قال: فعرض عليّ رسول اللّه (ص) الاسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا واللّه ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه. قال:
فأسلمت وشهدت: شهادة الحق، وقلت: يا نبي اللّه، إنّي امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الاسلام).
ثمّ روى ابن هشام بعد ذلك كيف دعا عمرو بن الطفيل عشيرته دوس إلى الاسلام عندما رجع إليهم وكيف انتشر فيهم الاسلام وكيف وفدوا إلى رسول اللّه (ص) بعد غزوة خيبر.
* * *
إنّ أمثال هذا النوع من الاثر دعت قريشاً أن يجتمعوا ويتشاوروا كيف يصدون الحجيج عن الاستماع إلى قراءة الرسول (ص) للقرآن كما سنذكره بعد ايراد خبر بدء الدعوة في ما يأتي باذنه تعالى.
2 السيوطي 5 / 359؛ وفي ترجمة عتبة من مخطوطة ابن عساكر (11 / 1 / 20 أ)؛ والقرطبي 15 / 338؛ وسيرة ابن هشام ط. القاهرة سنة 1356 ه1 / 313 ـ 314.
3 سيرة ابن هشام 1 / 407 ـ 411.