يعرض القرآن المكي في سور صغيرة عقيدة التوحيد في الالوهية والربوبية ورسالة خاتم الانبياء وعوالم المعاد بعد حياة الدنيا، وانّ القرآن كلام اللّه نزل لهداية البشر، ويُدحض أعراف مشركي قريش الوثنية والجاهلية وحججهم على الرسول والقرآن الكريم، ويدعوهم إلى العمل الصالح في الحياة الدنيا ومن أمثلة ذلكم:
أ ـ في التوحيد:
قال ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة التوحيد:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)
ب ـ في خبر المعاد:
قال سبحانه وتعالى في سورة يس:
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهْ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (الايات / 78 ـ 79)
وقال تعالى في سورة الزلزلة:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا زُلْزِلَتِ الاْ َرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الاْ َرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الا ِ نْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
قال ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة العصر:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الا ِ نْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)
كانت تلكم أمثلة من الايات الّتي يتجلى فيها الامتياز البلاغي للقرآن الكريم ثم أمثلة من الايات الّتي تتجلى فيها الخصائص الفكرية للقرآن المكي.
ولم نقصد من ايراد آيات لتعريف الميزات الادبية في القرآن الكريم ثم آيات اخر لتعريف الخصائص الفكرية فيه، تصنيف آيات القرآن إلى صنفين متقابلين: آيات تمتاز ببلاغتها في الكلام واخرى بما تحوي من فكر وعلم، كلاّ! فإنّ اللّه سبحانه كما جعل ما يحتاجه جسد الانسان من (فيتامينات) مقومة لحياته في ثمار لذيذة الطعم كالتمر والتفاح والعنب والليمون والمشمش كذلك جعل ما تحتاجه نفسه من افكار مقومة لحياته النفسية والجسدية في فنون من الكلام في القرآن الكريم تهش إلى سماعها نفسه.
وكما انّ الانسان قد يصاب في جسده بغدد سرطانية يجب البدء باستئصالها من جذورها ثم القيام بتقوية جسده وتقويمه بما يحتاجه الجسد من مقومات الحياة في طعامه وشرابه، كذلك الانسان المتلوث فكره بالوثنيات والاعراف الجاهلية يجب البدء باستئصال افكاره المريضة الراسخة في اعماق نفسه وقطعها من جذورها ولذلك بدأ خليل اللّه ابراهيم دعوته الناس إلى عبادة اللّه بزعزعة عقيدة عبدة الكواكب وكسر أوثان عبدة الاصنام وبدأ خاتم الرسل بدعوة المشركين إلى أن يقولوا: لا إله إلاّ اللّه، أي أن ينبذوا جميع أصنامهم الّتي يعبدونها اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى وسائر آلهتهم.
وكما أنّ الانسان المدمن للخمور واستعمال المخدرات يصرف كل طاقاته الفكرية والجسدية في سبيل ادامة تعاطي الخمور والمخدرات ويقاوم بكل ما أوتي من حول وقوة من يرد أن يحول بينه وبينها!
كذلك الانسان المتلوث فكره بالوثنيات والاعراف الجاهلية يصرف جميع طاقاته في سبيل المحافظة على ما تلوث به فكره واعتاده من أعراف جاهلية وعبادات وثنية ويحارب من يريد أن يحول بينه وبين أعرافه وعباداته. ومن هنا يُلقى إبراهيم في النار لتحرقه ويقابل خاتم الانبياء بصنوف من الاذى والطغيان ولمن آمن بقرآنه بانواع من العسف والظلم والعدوان.
لو اقتصر القرآن في مكّة على عرض الجوانب الفنية والادبية في الكلام ولم يتعرض لاعراف قريش الجاهلية، ولم يسفه احلامهم، ويسب الهتهم، لرفعت قريش الرسول فوق اكتافها، وشمخت بآنافها، وفاخرت به قبائل العرب وكاثرت به، ونافرت، لكن القرآن خاصمهم في كل جانب من جوانب اعرافهم الجاهلية فوقع بينهم وبين القرآن ومُبَلِّغه الرسول ما سنذكره بحوله تعالى بعد ايراد مثالين من أثر القرآن الفكري في الانسان العربي في ما يأتي: