وفي القرن
الثاني عشر
وقال خاتمة
المحدّثين ، محمد بن الحسن بن علي المشتهر بالحرّ العاملي، صاحب الموسوعة الحديثية
الكبرى «وسائل الشيعة» (ت: 1104 هـ) - في رسالة كتبها بالفارسية، إدحاظاً لأقوال
بعض معاصريه ما ترجمته - :
إنّ من تتبّع
أحاديث أهل البيت عليهم السلام و تصفّح التاريخ والآثار علم علماً يقيناً أنّ
القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر ، قد حفظه الالوف من الصحابة و نقلته الألوف وكان
منذ عهده (ص) مجموعاً مؤلفاً ([1]).
وفي
القرن الثالث عشر :
قال المحقق
البغدادي السيد محسن الأعرجي (ت: 1227 هـ) في شرح الوافية([2])
: «اتّـفق الكلّ ، لا تمانع بينهم، على عدم الزيادة ، و نطقت به الأخبار . وقد حكى
الإجماع على ذلك جماعة من أئمة التفسير و الحديث، كشيخ الطائفة في التبيان ، و
شيخنا أبي علي في مجمع البيان. و إنّما وقع الخلاف في النقيصة، و المعروف - بين
أصحابنا حتى حكى عليه الإجماع - عدم النقيصة أيضاً ...».
ثمّ أخذ في
مناقشة محتمل النقص، و أخيراً في الاستدلال على عدمه رأساً في تفصيل و اسهاب يقرب
من كونه رسالة مستقلّة في بابه.
جزاه الله
خيراً عن القرآن و أهله ...([3])
وقال شيخ
الفقهاء الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء (ت: 1228 هـ) في كتاب القرآن من موسوعته
الفقهية القيّمة «كشف الغطاء» :
«لا زيادة فيه
من سورة ولا آية من بسملة وغيرها لا كلمة ولا حرف . و جميع ما بين الدفتين مما
يتلى كلام الله تعالى، بالضرورة من المذهب بل الدين و إجماع المسلمين و اخبار
النبي (ص) والأئمة الطاهرين عليهم السلام و إن خالف بعض من لا يعتدّ به ...»
قال: «و كذا لا
ريب في أ نّه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان كما دلّ عليه صريح القرآن و
إجماع العلماء في جميع الازمان، ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقيصة تمنع
البديهية من العمل بظاهرها، ولاسيّما ما فيه من نقص ثلث القرآن أو كثير منه، فإنّه
لو كان ذلك لتواتر نقله لتوفّر الدواعي عليه، ولاتّخذه غير أهل الاسلام من أعظم
المطاعن على الاسلام وأهله. ثمّ كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته
و حروفه. وخصوصاً ما ورد أ نّه صرّح فيه بأسماء كثير من المنافقين في بعض السور
ومنهم فلان و فلان ، و كيف يمكن ذلك وكان من حكم النبي (ص) الستر على المنافقين و
معاملتهم بمعاملة أهل الدين ...»([4]).
وقال - فيما
كتبه ردّاً على الاخباريين : « و صدرت منهم أحكام غريبة و أقوال منكرة عجيبة، منها:
قولهم بنقص القرآن، مستندين الى روايات تقضي البديهة بتأويلها و طرحها . وفي بعضها:
نقص ثلث القرآن أو ربعه و نقص أربعين اسماً في سورة «تبّت» منها أسماء جماعة من
المنافقين. وفي ذلك منافاة لبديهة العقل، لانه لو كان ذلك مما أبرزه النبي(ص) وقرأه
على المسلمين و كتبوه لافتضح المنافقون، ولم يكن النبي(ص) مأموراً إلاّ بالستر
عليهم، ولقامت الحرب على ساق، وكان في ابتداء الاسلام من الفتن ما كان في الختام.
ثمّ لو كان حقاً لتواتر نقله وعرفه جميع الخلق، لأ نّهم كانوا يضبطون آياته و حروفه
و كلماته تمام الضبط، فكيف يغفلون عن مثل ذلك. ولعرف بين الكفار ، و عدّوه من أعظم
مصائب الاسلام والمسلمين. ولكان القارئ لسورة من السور الناقصة مبعّضاً في الحقيقة.
ولكان القرآن غير محفوظ، وقد أخبر الله بحفظه، و لعرف بين الشيعة، و عدّوه من أعظم
الأدلة على خروج الأولين من الدين، لأنّ النقص - على تقدير ثبوته - إنما هو منهم ».
وقال: « يا
للعجب من قوم يزعمون سلامة الأحاديث و بقاءها محفوظة وهي دائرة على الألسن و منقولة
في الكتب، في مدّة ألف و مائتي سنة، و أ نّها لو حدث فيها نقص لظهر و استبان و شاع
!! لكنهم يحكمون بنقص القرآن، و خفي ذلك في جميع الأزمان !!»([5])
.
وقال المحقّق
التبريزي (ت: 1307) في تعليقته على رسائل استاذه المولى المحقق الأنصاري ([6]):
القول بالتحريف هو مذهب الاخباريين والحشوية، خلافاً لأصحاب الأصول الذين رفضوا
احتمال التحريف في القرآن رفضاً قاطعاً، وهو الحقّ، للوجوه التالية:
أولاً : صراحة
القرآن بعدم إمكان التغيير فيه، كآية التدبّر (النساء: 82) و آية الحفظ (الحجر :
9) و آية عدم إتيانه الباطل (فصلت: 42). وكذا الروايات الكثيرة الدالة على وجوب
الرجوع إلى القرآن .
ثانياً : إجماع
الطائفة، على ما حكاه الشيخ الطوسي و الطبرسي و المرتضى علم الهدى و الصدوق و غيرهم
من أقطاب الامامية.
ثالثاً : دليل
العقل، حيث القرآن عماد الدين و أساس الشرع المبين لكونه معجزاً و مصدقاً لمقام
النبوة إلى قيام القيامة. ويؤيد ذلك عناية الامّة بحفظه و حراسته على ما كان عليه
في العهد الاول في رسم الخطّ و نحوه، فلابدّ من تأويل ما ورد بخلاف ذلك أو طرحه([7])
.
1 بنقل الشيخ
رحمة الله الدهلوي في كتابه القيّم «إظهار الحقّ» 2 / 208 ، وراجع الفصول
المهمة للسيد شرف الدين، ص 166 ، و هامش الأنوار النعمانية 2 / 357 .
2
هي للمولى عبد الله بن محمد المشتهر بالفاضل التوني (ت : 1071) قال فيها:
والمشهور بين علمائنا الاعلام أنه محفوظ و مضبوط كما أنزل لم يتبدل و لـم
يتغير، حفظه الحكيـم
غ
ـ
الخبير ، قال تعالى:
( إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ).
3 شرح الوافية :
باب حجية الكتاب من أبواب الحجج في الاصول (مخطوط).
4 كشف الغطاء،
كتاب القرآن من كتاب الصلاة، المبحث السابع والثامن ص 298 - 299 .
5 الحق المبين ،
ص 11. ونقله القاضي الطباطبائي في هامش الانوار ، 2 / 359 .
6 وقد كان
تلميذه الموفق، واقفاً على دقائق نظرات شيخه و استاذه، و أحسن من أبان في شرحه
على رسائل الشيخ من آرائه في دقائق علم الاصول، ومنها هذه المسألة في صيانة
القرآن عن التغيير و التحريف .
7 أوثق الوسائل
بشرح الرسائل ص 91 .