الحادي عشر :
القرن الحادي عشر :
قال شيخ
الاسلام بهاء الملّة والدين محمد بن الحسين الحارثي العاملي (ت : 1030): والصحيح
أنّ القرآن العظيم محفوظ من التحريف ، زيادة كانت أو النقصان بنصّ آية الحفظ من
الذكر الحكيم. وما اشتهر من الإسقاط في مواضع من الكتاب فهو غير معتبر عند العلماء([1]).
وقال المحدّث
المحقق محمد بن المحسن المشتهر بالفيض الكاشاني (ت: 1091 هـ ) في المقدمة
السادسة التي وضعها قبل التفسير - بعد نقل روايات توهّم وقوع التحريف في كتاب الله
- قال: على هذا لم يبق لنا اعتماد بالنصّ الموجود، وقد قال تعالى : (
وإنّهُ
لَكِتابٌ عَزيزٌ لا يأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَديهِ ولا مِن خَلفِهِ
) . وقال : (
إنّا نحنُ
نزّلنا الذِّكرَ و إنّا لهُ لحافظون
). و - أيضاً - يتنافى مع روايات العرض على القرآن . فما دلّ على وقوع التحريف
مخالف لكتاب الله و تكذيب له . فيجب ردّه و الحكم بفساده أو تأويله ([2]).
وقال في كتابه
الذي وضعه في بيان اُصول الدين - عند الكلام عن إعجاز القرآن، و استعراض جملة من
روايات تسند التحريف إلى كتاب الله - قال: و يرد على هذا كلّه إشكال، وهو : أ نّه
على ذلك التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن ، إذ على هذا يحتمل كلّ آية
منه أن تكون محرّفة و مغيّرة و تكون على خلاف ما أنزله الله، فلم يبق في القرآن
لنا حجّة أصلاً، فتنتفي فائدته و فائدة الأمر باتّباعه و الوصيّة به .
و أيضاً ، قال
الله عزّ و جلّ : ( و
إنّه لكتابٌ
عزيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
) . فكيف تطرّق إليه التحريف و النقصان و التغيير !؟ و أيضاً ، قال الله عزّ و جلّ
: (
إنّا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون
) .
و أيضاً قد
استفاض عن النبي (ص) و عن الائمة عليهم السلام عرض الخبر المرويّ عنهم على كتاب
الله، ليعلم صحّته بموافقته له و فساده بمخالفته. فإذا كان القرآن الذي بأيدينا
محرّفاً مغيّراً فما فائدة العرض ، مع أنّ خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذّب له،
فيجب ردّه و الحكم بفساده أو تأويله.
قال: و يخطر
بالبال في دفع الاشكال - و العلم عند الله - أنّ مرادهم عليهم السلام بالتحريف و
التغيير و الحذف إنّما هو من حيث المعنى دون اللفظ، أي حرّفوه و غيّروه في تفسيره و
تأويله، أي حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، فمعنى قولهم عليهم السلام: كذا
أنزلت، أنّ المراد به ذلك، لا ما يفهمه الناس من ظاهره. و ليس المراد أ نّها
نزلت كذلك في اللفظ، فحذف ذلك إخفاء للحقّ و إطفاء لنور الله .
وممّا يدلّ على
ذلك ما رواه في الكافي باسناده عن أبي جعفر عليه السلام أ نّه كتب في رسالته الى
سعد الخير : «وكان من نبذهم الكتاب ان أقاموا حروفه و حرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا
يرعونه، . والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، و العلماء يحزنهم تركهم للرعاية ...
([3]).
2
الصافي 1 / 33 - 34 المقدمة السادسة، و الوافي 2 / 273 - 274 .
3
كتاب علم اليقين في اُصول الدين للمحقق الفيض الكاشاني 1 / 565 ، (ط سنة
1400 هـ).