رابعاً - القرن الرابع :

                        قال الصدوق (ت: 381 هـ) في كتابه الاعتقادات :

                        «اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (ص) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، و مبلغ سوره عند الناس مائة و أربعة عشر سورة، و عندنا أن «الضحى» و «ألم نشرح» سورة واحدة و «لايلاف» و «ألم تر كيف» سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول انه أكثر من ذلك فهو كاذب . وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن، و ثواب من ختم القرآن كله، و جواز قراءة سورتين في ركعة، و النهي عن القرآن بين سورتين في ركعة فريضة ، تصديق لما قلناه في أمر القرآن، و أن مبلغه ما في أيدي الناس.

                        و كذلك ما روي من النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة واحدة، وأنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام ، تصديق لما قلنا أيضاً».

 خامساً - القرن الخامس :

                        قال الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (ت: 413 هـ) في كتابه «أوائل المقالات» الذي وضعه لبيان أصول المسائل الاسلامية فيما تفترق فيه الشيعة الامامية عن غيرهم من أهل العدل :

                        «وقد قال جماعة من أهل الامامة: إنّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة . ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين من تأويله و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله، و ذلك كان ثابتاً منزلاً و إن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز . و قد يسمّى تأويل القرآن قرآناً ...».

                        قال : و عندي أنّ هذا القول أشبه (أي أقرب في النظر ) من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، و إليه أميل .

                        قال: و أمّا الزيادة فيه فمقطوع على فسادها، إن أريد بالزيادة زيادة سورة على حدّ يلتبس على الفصحاء، فإنّه متناف مع تحدي القرآن بذلك .

                        و إن أُريد زيادة كلمة أو كلمتين أو حرف أو حرفين. و لست أقطع على كون ذلك، بل أميل الى عدمه و سلامة القرآن عنه. قال: ومعي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام»([1]).

                        وقال في أجوبة المسائل السروية: «فإن قال قائل : كيف يصحّ القول بأنّ الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، و أنتم تروون عن الأئمة عليهم السلام أنّهم قرأوا «كنتم خير أئمة أُخرجت للناس» ، و  «كذلك جعلناكم أئمة وسطاً» و قرأوا «يسألونك الانفال» . وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس ؟

                        قيل له : قد مضى الجواب عن هذا، وهو : أنّ الاخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحّتها، فلذلك و قفنا فيها و لم نعدل عمّا في المصحف الظاهر، على ما أمرنا به حسب ما بيّناه» ([2]).

                        وقال السيد المرتضى علم الهدى (ت: 436 هـ) كما نقله عنه الشيخ الطبرسي صاحب مجمع البيان في مقدمة تفسيره :

                        «انّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار و الوقائع العظام و الكتب المشهورة و اشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت و  الدواعي توفرت على نقله و حراسته و بلغت الى حد لـم يبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة و مأخذ العلوم الشرعية و الاحكام الدينية و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من اعرابه و  قراءته و حروفه و آياته فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة و الضبط الشديد»([3]).

                        وقال أيضاً :

                        «ان العلم بتفسير القرآن و  ابعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه و المزنى، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، حتى لو ان مُدْخِلا أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف و ميز و علم انه ملحق، و  ليس من أصل الكتاب . و  كذلك القول في كتاب المزني و معلوم ان العناية بنقل القرآن و ضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشعراء وان القرآن كان على عهد رسول الله (ص) مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن وأن القرآن كان  يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له و ان كان يعرض على النبي(ص) و يتلى عليه و ان جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبي (ص) عدة ختمات و كل ذلك يدل بأدنى تأمل على انه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث وأن من خالف في ذلك من الامامية والحشوية لايعتد بخلافهم فإن الخلاف في ذلك مضاف الى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته»([4]).

                        وقال الشيخ الطوسي (ت: 460 هـ) في تفسيره التبيان :

                        «اعلم، ان القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي عليه السلام بل هو من أكبر المعجزات و أشهرها، غير ان الكلام في اعجازه و جهة اعجازه و اختلاف الناس فيه لا يليق بهذا الكتاب لانّه يتعلق بالكلام في الاصول وقد ذكر علماء أهل التوحيد و أطنبوا فيه و استوفوه غاية الاستيفاء و قد ذكرنا منه طرفاً صالحاً في شرح الجمل لا يليق بهذا الموضع لانّ استيفاءه يخرج به عن الغرض و  اختصاره لا يأتي على المطلوب .

                        وأما الكلام في زيادته و نقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، و النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى ره، وهو الظاهر في الروايات -  إلى أن قال - و رواياتنا متناصرة بالحث على قراءته، و التمسك بما فيه، و ردّ ما يرد من اختلاف الاخبار في الفروع إليه، و عرضها عليه، فما وافقه عمل عليه، وما خالفه تجنب، ولم يلتفت إليه، و قد روي عن النبي صلى الله عليه و  آله وسلم رواية لا يدفعها أحد أنه قال: «إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». وهذا يدل على انه موجود في كل عصر ، لانه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، و إذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، و  بيان معانيه، و ترك ما سواه»([5]).


1 أوائل المقالات ، ص 54 - 56 .

2 الرسالة مطبوعة ضمن رسائل نشرتها مكتبة المفيد بقم : راجع ص 226 .

3 مجمع البيان للطبرسي، 1 / 15، مقدمة الكتاب .

4 نفس المصدر السابق .

5 التبيان، ط . النجف ، ج 1 / 3 .