ثالثاً - القرن
الثالث :
لقد وجدنا في
أواسط القرن الثالث ، الفضل بن شاذان (ت: 260 هـ) يستنكر على مدرسة الخلفاء ، و
يحتج عليهم في ما يستنكر عليهم في باب : «ما ذهب من القرآن» ويقول محتجاً عليهم
بما رووه من الصحابة في ذلك ([1]):
و رويتم : «ان
أبا بكر و عمر جمعا القرآن من أوّله الى آخره من أفواه الرجال بشهادة شاهدين وكان
الرجل الواحد منهم إذا أتى بآية سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقبلا
منـه، و إذا جاء اثنان بآية قبلاهـا و كتباها».
ثم رويتم : «ان
عثمان بن عفان و عبد الرحمان بن عوف وضعا صحيفة فيها القرآن ليكتباها فجاءت شاة
فأكلت الصحيفة التي فيها القرآن ; فذهب من القرآن جميع ما كان في تلك الصحيفة » .
و رويتم : «ان
سورة براءة ما منعهم أن يكتبوا أوّلها بسم الله الرحمن الرحيم إلاّ انّ صدرها ذهب»
.
و رويتم : «ان
عمر بن الخطاب قال: لقد قتل باليمامة قوم يقرءون قرآناً كثيراً لا يقرؤه غيرهم،
فذهب من القرآن ما كان عند هؤلاء النفر» .
و زعمتم : «انّ
عمر قال: لولا انّي أخاف أن يقال: زاد عمر في القرآن: أثبتّ هذه الآية ، فانّا كنّا
نقرأها على عهد رسول الله (ص) : «الشيخ والشيخة» إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا
من الشهوة نكالاً من الله والله عزيز حكيم».
و رويتم : «انّ
أبا موسى الاشعري لما ولاّه عمر بن الخطاب البصرة، جمع القرّاء فكانوا ثلاثمائة رجل
فقال لهم:
أنتم قرّاء أهل
البصرة ؟
قالوا: نعم .
قال : والله
لقد كنّا نقرأ سورة على عهد رسول الله (ص) كنا نشبهها ببراءة تغليظاً و تشديداً
فنسيناها، غير اني أحفظ حرفاً واحداً منها أو حرفين : «لو كان لابن آدم واديان من
ذهب لابتغى اليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب و يتوب الله على من
تاب» .
و رويتم : «ان
سورة الاحزاب كانت ضعف ما هي فذهب منها مثل ما بقي في أيدينا».
و رويتم : «ان
سورة (لم يكن) كانت مثل سورة البقرة قبل أن يضيع منها ما ضاع و انّما بقي ما في
أيدينا منها ثماني آيات أو تسع آيات) .
فلئن كان الامر
على ما قد رويتم لقد ذهب عامّة كتاب الله عزّ و جلّ الذي أنزله على محمد (ص).
و رويتم :
«انّه جمع القرآن على عهد رسول الله (ص) ستة نفر كلهم من الانصار ، و انه لم يحفظ
القرآن إلاّ هؤلاء النفر» .
فمرة تروون
انّه لم يحفظه قوم، و مرّة تروون انّه ذهب منه شيء كثير، و مرّة تروون انّه لم يجمع
القرآن أحد من الخلفاء إلاّ عثمان، فكيف ضاع القرآن و ذهب و هؤلاء النفر قد حفظوه
بزعمكم و روايتكم ؟ !
ثم رويتم بعد
ذلك كله : «انّ رسول الله (ص) عهد الى علي بن أبي طالب(ع) أن يؤلف القرآن فألَّفه و
كتبه» .
و رويتم : «انّ
ابطاء علي على أبي بكر البيعة على ما زعمتم لتأليف القرآن»، فأين ذهب ما ألّفه علي
بن أبي طالب (ع) حتى صرتم تجمعونه من أفواه الرجال ؟ ! ومن صحف زعمتم كانت عند
حفصة بنت عمر بن الخطاب ؟ !
و أنتم تروون
عن النبي (ص) انه قال : «أُبي أقرأكم» .
و رويتم ان
النبي (ص) قال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم
عبد» .
و رويتم ان
النبي (ص) قال: «لو كنت مستخلفاً أحداً من غير مشورة لاستخلفت ابن أمّ عبد» .
و رويتم في
حديث آخر انه (ص) قال: «رضيت لامتي ما رضي لها ابن أمّ عبد و سخطت لها ما سخط لها
ابن أم عبد» .
ثم رويتم : «ان
عثمان ترك قراءة أبيّ وابن مسعود و أمر (على ما) زعمتم بمصاحف ابن مسعود، فحرقت و
جمع الناس على قراءة زيد» .
و رويتم : «ان
عمر بن الخطاب وجه ابن مسعود الى الكوفة يفقّه الناس و يقرئهم القرآن; فكان ثقة
عند عمر بن الخطّاب في توجيهه الى الكوفة و يقرئهم القرآن مع قول رسول الله (ص)
فيما رويتم فيه وفي أُبي ، فترك قراءته و قراءة أبيّ و أمر الناس بقراءة زيد فهي
في أيدي الناس الى يومنا هذا .
فلئن كان أبيّ
و ابن مسعود ثقتين في الفقه، انّهما لثقة في القرآن . ولقد أوجبتم عليهم بترك
قراءة ابن مسعود، انّهم لم يرضوا للامّة بما رضى لها رسول الله(ص)، وانّهم كرهوا ما
رضي لهم الرسول(ص) ! فأيّ وقيعة تكون أشدّ مما تروونه عليهم ؟ ! فوالله لو اجتمع كل
رافضي على وجه الارض على أن يقولوا فيهم أكثر مما قلتم ما قدروا عليه طعناً و سوء
قول و تجهيلاً و جرأة على الله، و أنتم تزعمون انكّم الجماعة، و انّ الجماعة لا
تجتمع على ضلال .
ثم رويتم عن
ابن مسعود : «ان المعوّذتين ليستا من القرآن، وانه لم يثبتهما في مصحفه، وانتم
تروون انّه من جحد آية من كتاب الله عزّ وجلّ فهو كافر بالله» و تقرّون انّهما من
القرآن، فمرّة تقرون على ابن مسعود انّه جحد سورتين من كتاب الله وانّه من جحد
حرفاً منه فقد كفر، فكيف قبلتم أحاديث ابن مسعود في الحلال و الحرام و الصلاة و
الصيام و الفرائض و الاحكام ؟!
فان لم تكن
المعوّذتان من القرآن لقد هلك الذين أثبتوهما في المصاحف، ولئن كانتا من القرآن لقد
هلك الذين جحدوهما ولم يثبتوهما في المصاحف،ان كان ما رويتم عن ابن مسعود حقّاً انه
قال:ليس هما من القرآن .
فليس لكم مخرج
من أحد الوجهين : فامّا أن يكون كذب فهلك و هلك من أخذ عنه الحلال و الحرام، و أما
أن يكون صدق فهلك من خالفه !
فأيّ وقيعة في
أصحاب رسول الله (ص) أشدّ من وقيعتكم فيهم إذا وقعتم ؟!
و أخرى، فانكم
تروون عنهم الكفر الصراح، مثل ما قد رويتم من جحودهم القرآن، فلو انكم إذا وقعتم
فيهم تنسبونهم إلى ما هو دون الكفر كان الأمر أيسر و أسهل و أهون، لكنكم تعمدون الى
أغلظ الاشياء و أعظمها عند الله فتنسبونهم إليها ([2]).
دراسة أقوال
الفضل بن شاذان
أقول : انّ
استنكار فضل بن شاذان على مدرسة الخلفاء رواية روايات فيها دلالة على نقصان بعض
السور و الآيات ، و التي نقلها عنهم في الباب، ثمّ الوقيعة فيهم بهذه الشدّة ، دليل
على انّه لم تكن بمدرسة أهل البيت في عصره أمثال تلكم الروايات، و إلاّ ما وسعه أن
ينكر على مدرسة الخلفاء ما يوجد عند فئته نظيرها.
وهذا يدل على
انّ الروايات التي انتشرت في هذا الخصوص في بعض كتب مدرسة أهل البيت كان بعد ذلك، و
من قبل الغلاة و الكذبة الملعونين من قبل الأئمة(ع)، و المطرودين من قم يومذاك و
المعروفين والمبعدين من مجتمع مدرسة أهل البيت (ع) .
و صنف آخر منه
«روايات منتقلة من مدرسة الخلفاء الى مدرسة أهل البيت»، بحيث لم تكن في عصر فضل بن
شاذان مما تعد من روايات مدرسة أهل البيت. كما سنشير اليها بحوله تعالى في مناقشة
الروايات التي استدل بها الشيخ النوري والاستاذ ظهير على انها من روايات مدرسة أهل
البيت في البحوث الآتية .
1 ان جميع ما
نسبه فضل بن شاذان في أقواله مرّ بنا في باب جمع القرآن من المجلد الثاني من
هذا الكتاب .
2 الايضاح
للشيـخ الفضـل بـن شـاذان الازدي النيسابوري، تحقيق السيد جلال الدين الارموي ط
. طهران 1392 هـ ، ص 209 - 229 .
قال الشيخ الطوسي في الفهرست :
الفضل بن شاذان النيسابوري: فقيه، متكلم، جليل القدر ، له كتب و مصنفات ...
وقال النجاشي : روى عن أبي جعفر
الثاني و قيل عن الرضا - أيضاً - عليهما السلام، وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء
و المتكلمين وله جلالة في هذه الطائفة وهو في قدره أشهر من أن نصفه .
وقال البغدادي في هدية العارفين 1 /
817 - 818 :
ابن شاذان - فضل بن شاذان الخليل
النيسابوري أبو محمد الازدي من علماء الشيعة الامامية المتوفى سنة 260 هـ .
يقال له مائة و ثمانون كتاباً .
وقال عمر رضا كحالة في معجم
المؤلفين 8 / 69 :
فقيه، متكلم، مشارك في التفسير
والقراءات والفرائض و غيرها . من تصانيفه الكثيرة: كتاب التفسير ، كتاب
القـراءات، السنن في الفقـه، فضائـل علي بن أبي طالب، و كتاب الايمـان .
وقال الزركلى في الاعلام 5 / 355 :
عالم بالكلام، من فقهاء الامامية،
له نحو 180 كتاباً .