رأي مدرسة أهل البيت فى القراءات :

                        قد مرّ بنا في المجلد الثاني من هذا الكتاب أنّ الإمام الباقر (ع) قال: القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة .

                        وفي حديث آخر بعده لما قيل له : (الناس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف)، كذّب القول وقال: (نزل القرآن على حرف واحد من عند الواحد).

                        وفي روايتين أخريين عن الإمام الصادق قال:

                        (اقرؤوا كما يقرأ الناس)([1]) .

                        كان ذلكم نوعاً واحداً من تحريف القرآن بتحريف القراءة المنزلة و نوعاً آخر من تحريف القرآن بتحريف معناه و تغيير شأن نزول الآيات كما نجد في تفسير آية التطهير و حديث الكساء الآتي بتفسير الدّر المنثور للسيوطي :

                        (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) الآية * أخرج ابن أبي حاتم و ابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقال عكرمة رضي الله عنه من شاء  باهلته انها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .

                        * و أخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم .

                        * و أخرج ابن جرير و ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه في قوله (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: ليس بالذي تذهبون اليه انما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم .

                        * و أخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال : يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نزلت في بيت عائشة رضي الله عنها .

*        *        *

                        هكذا حرّفوا معنى الآية بينما هي نازلة في شأن الرسول(ص) وابن عمه علي وابنته فاطمة وسبطيه الحسن والحسين كما نصت عليه الروايات الآتية: 

                        * أخـرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتـم و الطبراني و ابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى عليه وسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعي زوجك و ابنيك حسناً وحسيناً فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا) فأخذ النبي الله صلى الله عليه وسلم بفضلة ازاره فغشاهم اياها ثم أخرج يده من الكساء و أومأ بها إلى السماء ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالها ثلاث مرات قالت أم سلمة رضي الله عنها فادخلت رأسي في الستر فقلت يا رسول الله وأنا معكم فقال انك إلى خير مرتين .

                        * وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبيها بثريدة لها تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه فقال لها أين ابن عمك قالت هو في البيت قال اذهبي فادعيه و ابنيك فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد و علي رضي الله عنه يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسهما في حجره وجلس علي رضي الله عنه عن يمينه وجلست فاطمة رضي الله عنها عن يساره قالت أم سلمة رضي الله عنها فأخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت .

                        * و أخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها ائتني بزوجك و ابنيه فجاءت بهم فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال اللهم ان هؤلاء أهل محمد وفي لفظ آل محمد فاجعل صلواتك و بركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل ابراهيم انك حميد مجيد قالت أم سلمة رضي الله عنها فرفعت الكساء لادخل معهم فجذبه من يدي وقال انك على خير .

                        * وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية في بيتي (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا) وفي البيت سبعة جبريل وميكائيل عليهما السلام وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم وأنا على باب البيت قلت يا رسول الله ألست من أهل البيت قال انك إلى خير انك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .

                        * وأخرج ابن مردويه و الخطيب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان يوم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن و حسين وفاطمة وعلي فضمهم إليه ونشر عليهم الثوب والحجاب على أم سلمة مضروب ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت أم سلمة رضي الله عنها فأنا معهم يا نبي الله قال أنت على مكانك و انك على خير .

                        * و أخرج الترمذي و صححه ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صححه وابن مردويه و البيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها قالت في بيتي نزلت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ثم قال هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .

                        * وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية في خمسة فىّ وفي علي وفاطمة وحسن و حسين (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) .

                        * و أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و مسلم و ابن جرير و ابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما فادخلهما معه ثم جاء علي فأدخله معه ثم قال: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً) .

                        * و أخرج ابن جرير و الحاكم وابن مردويه عن سعد قال نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فادخل عليا وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثم قال اللهم هؤلاء أهلي و أهل بيتي .

                        * و أخرج ابن أبي شيبة و أحمد وابن جرير و ابن المنذر وابن أبي حاتم و  الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الاسقع رضي الله عنه قال جاء رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم إلى فاطمة ومعه حسن و حسين و  علي حتى دخل فادنى عليا وفاطمة فاجلسهما بين يديه و أجلس حسنا و  حسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه و أنا مستدبرهم ثم تلا هذه الآية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) .

                        و أخرج ابن أبي شيبة وأحمد و الترمذي و حسّنه وابن جرير وابن المنذر و  الطبراني والحاكم و صحّحه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول الصلاة يا أهل البيت الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) .

                        * و أخرج مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أذكركم الله في أهل بيتي فقيل لزيد رضي الله عنه ومن أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل  علي و آل عقيل و آل جعفر و آل عباس .

                        * و أخرج الحكيم الترمذي و الطبراني و ابن مردويه و أبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً فذلك قوله و أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فانا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين ثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً فذلك قوله وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون السابقون فانا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الاثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة و ذلك قوله وجعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً فأنا و أهل بيتي مطهرون من الذنوب .

                        * و أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً) قال هم أهل بيت طهرهم الله من السوء و اختصهم برحمته قال وحدث الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه ان نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول نحن أهل بيت طهرهم الله من شجرة النبوة وموضع الرسالة و مختلف الملائكة وبيت الرحمة ومعدن العلم .

                        * وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال لما دخل علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها جاء النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً إلى بابها يقول السلام عليكم أهل البيت و رحمة الله و بركاته رحمكم الله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً أنا حرب لمن حاربتم أنا سلم لمن سالمتم .

                        * و أخرج ابن جرير و ابن مردويه عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب علي رضي الله عنه فوضع يده على جنبتي الباب ثم قال الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .

                        * و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند وقت كل صلاة يقول السلام عليكم ورحمة الله و بركاته أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات .

                        * و أخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي وفاطمة ستة أشهر فيقول إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً ([2]).

                        وقد أخرجنا الروايات الصحيحة في تفسير الآية أكثر تفصيلاً من هذا في العدد الخامس من سلسلة على مائدة الكتاب و السنّة تحت عنوان آية التطهير في مصادر الفريقين ولله الحمد .

                        ويلحق بهذا الباب الروايات التي أوردناها في بحث روايات منتقلة و مشتركة من قراءة ابن عباس «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله».

                        وقراءة اُبيّ بن كعب «وانذر عشيرتك الاقربين و رهطك منهم المخلصين» .

                        و قراءة : «يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك - في علي - وان لم تفعل فما بلّغت رسالته ...»

                        و كتابة أم المؤمنين عائشة وغيرها في مصاحفهن : والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقالت: انها سمعت ذلك من رسول الله (ص) .

                        وفي ما يأتي نبيّن باذنه تعالى المراد من هذه التعابير :

                        قال الله سبحانه : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم )

                        وقوله تعالى: ( ثمّ إنّ علينا بيانه ) .

                        و مرّ بنا في بحث مصطلح التلاوة و القراءة من المجلد الاوّل عن مسند أحمد 5 / 410 ان الصحابة كانوا يقترؤن من رسول الله عشر آيات عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الاخرى، حتى يعلموا ما فيها من العلم و العمل .

                        وما رواه البخاري في باب رجم الحبلى إذا زنت من كتاب الزنا إذا أحصنت عن ابن عباس انّه قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف فبينما أنا في منزله وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجّها ...).

                        و ان آخر حجّة حجّها عمر كانت سنة 23 هـ وقتل في الشهر نفسه .

                        وكان اسلام عبد الرحمن بن عوف على ما ذكره ابن هشام في السنة الثالثة من الهجرة وكان بين الزمانين أكثر من اثنتين و ثلاثين سنة، ولم يكن كبراء المهاجرين أمثال عبدالرحمن بن عوف أطفال كتاتيب، ليقرئهم ابن عباس تلاوة ألفاظ القرآن، و انّما كان يعلمهم تفسير القرآن إذاً فقد كان الاقراء بمعنى تعليم لفظ القرآن مع معناه و إذا جمعنا بين هاتين الروايتين و بين ما جاء في صحيح مسلم وغيره واللفظ لمسلم في كتاب المساجد باب من قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر 1 / 112  عن أبي يونس مولى عائشة انّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنني :حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين . قالت عائشة: سمعتها من رسول الله (ص) .

                        وفي الباب عن حفصة انها كذلك أمرت كاتبها .

                        بناء على ما جاء في هذه الروايات فانّ (وصلاة العصر) لم تكن في القرآن الذي كان يُستنسخ عنهما لكل من أم المؤمنين عائشة ولأم المؤمنين حفصة ولمّا كانتا سمعتا ذلك من رسول الله (ص) أمرتا كاتبيهما أن يكتباه في ما ينسخان من القرآن بياناً للآية ولا يعني ذلك انهما كانا يقولان: إنّ (وصلاة العصر) جزء من الآية، وسقط من القرآن الذي يُنسخ منه .

                        و كذلك ما جاء في شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 192 - 193 و ترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر عن الصحابي أبي هريرة : أنزل الله عزّ و جلّ : (يا  أيّها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - في علي بن أبي طالب - وان لم تفعل فما بلغت رسالته).

                        و بتفسير الآية في الدّر المنثور عن ابن مسعود: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(ص) يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك - أنَّ علياً مولى المؤمنين - وان لم تفعل فما بلغت رسالته([3]) .


1 الحديث الاول و الثاني في الكافي 2 / 630 ; و الحديثان الآخران ص 631 و ص 633 ; و وسائل الشيعة 4 / 821 وفيه عن الامام الصادق أيضاً و اقرأوا كما علمتم .

2 الدر المنثور للسيوطي بتفسير الآية 33 من سورة الاحزاب 5 / 198 - 199 .

3 الدر المنثور 2 / 298 .