( 6 )

 روايات لا أصل لها

                         (يج) 18 - الشيخ الطبرسي في (الاحتجاج) قال: جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: لولا ما في القرآن من الاختلاف و  التناقض لدخلت في دينكم، و ساق الخبر وهـو طويل، و فيه تسعة مواضـع فيها دلالة صريحة على النقصان و التحريف ذكرناها في حال مصحف أمير المؤمنين (ع) .

                        واعلم انه رحمه الله قال في أول كتابه: ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار باسناده إمّا لوجود الاجماع عليه أو موافقته لما دلت عليه العقول أو لاشتهاره في السير و الكتب بين المخالف و الموالف إلاّ ما أوردته عن أبي محمد عليه السلام الـخ  .

                        و روى هذا الخبر  الشيخ الصدوق (ره) في (كتاب التوحيد) عن أحمد بن الحسن القطان عن أحمد بن يحيى عن بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدثنا أحمد ابن يعقوب بن مطر، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن عبدالعزيز الأحدب ، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا طلحة بن زيد عن عبدالله عن أبي معمر السعداني أنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين عليه السلام - و ساق الخبر مع نقصان كثير عما في (الاحتجاج) منه ما يتعلق بنقصان القرآن و تغييره اما لعدم الحاجة إليه كما يفعل ذلك كثيراً فيه وفي سائر كتبه أو لعدم موافقته لمذهبه .

                        قال المحقق النحرير الشيخ أسد الله الكاظمي في (كشف القناع) في جملة كلام له .

                        و بالجملة فأمر الصدوق مضطرب جداً، ولا يحصل من فتواه غالباً علم ولا  ظن، لا يحصل من فتاوى أساطين المتأخرين و كذلك الحال في تصحيحه و  ترجيحه، وقد ذكر صاحب (البحار) حديثاً عنه في (كتاب التوحيد) عن الدقاق عن الكليني باسناده عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام، ثم قال: هذا الخبر مأخوذ من (الكافي)، وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق، وانه انما فعل ذلك لتوافق مذهب أهل العدل انتهى، و ربما طعن عليه بعض القدماء بمثل ذلك في حديث رواه في العمل في الصوم بالعدد. وهذا عجيب من مثله.

                        جعلنا هذا الحديث من أدلة الباب الحادي عشر و نضيف إليه مما رواه الشيخ النوري في الدليل الثاني عشر الأحاديث الآتية ثم نجيب عنها باذنه تعالى  .

                        (الف) 207 - الشيخ الطبرسي في (الاحتجاج) عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال للزنديق و أما ظهورك على تناكر قوله تعالى: و ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء يتامى فهو مما قدمت ذكره من اسقاط المنافقين من القرآن و  بين قوله في اليتامى و بين نكاح النساء من الخطاب و   القصص أكثر من ثلث القرآن . الخبر .

                        (يو) 650 - الطبرسي في (الاحتجاج) في خبر الزنديق الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام متناقضات القرآن بزعمه قال(ع) بعد سؤاله عن هذه الآية و   الكناية عن أسماء ذوي الجرائم العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى و انها من فعل المغيرين المبدلين الذين جعلوا القرآن عضين . الخبر .

                        (يح) 743 - احمد بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج في خبر الزنديق المكرر إليه الاشارة قال أمير المؤمنين عليه السلام قوله سلام على آل يس ان الله سمى النبي صلى الله عليه وآله بهذا الاسم حيث قال: يس (ص) والقرآن الحكيم لعلمه انهم يسقطون سلام على آل محمد كما اسقطوا غيره .

                        كانت الاخبار الاربعة الآنفة ما تلاعب بها الطبرسي صاحب الاحتجاج دون أن يذكر لنا سندا.

                        و الصحيح ما أخرجه الشيخ الأقدم الصدوق (ره) بكتاب التوحيد في باب الردِّ على الثنويّة و الزنادقة وقال:                        حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، عن بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدّثني أحمد بن يعقوب بن مطر قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن عبد العزيز الأحدب الجند بنيسابور ، قال: وجدت في كتاب أبـي بخطّه: حدثنا طلحة بن يزيد عن عبيدالله بن عبيدة عن أبي معمر السعداني أن رجلاً أتى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي قد شككت في كتاب الله المنزل، قال له عليه السلام: ثكلتك اُمّك و كيف شككت في كتاب الله المنزل ؟ قال: لأني وجدت الكتاب يكذِّب بعضه بعضاً، فكيف لا  أشك فيه ؟

                        فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ كتاب الله ليصدِّق بعضه بعضاً و  لا  يكذِّب بعضه بعضاً، ولكنك لم ترزق عقلاً تنتفع به، فهات ما شككت فيه من كتاب الله عزّ و جلّ . قال له الرجل، إني وجدت الله يقول: «فاليوم ننسيهم كما نسوا لقاء يومهم هذا» و قال أيضاً : «نسوا الله فنسيهم» وقال : «وما كان ربّك نسياً». فمرّة يخبر أ نّه ينسى، و مرّة يخبر أ نّه لا ينسى، فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين .

                        قال: هات ما شككت فيه أيضاً  قال: و أجد الله يقول: «يوم يقوم الرّوح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرّحمن وقال صوابا» و قال: واستنطقوا «فقالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين» و قال: «يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً» وقال: «إنّ ذلك لحقٌّ تخاصم أهل النّار» وقال: لا  تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد» وقال: «نختم على أفواههم و تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون» فمرّة يخبر أ نّهم يتكلمون، و مرّة يخبر أ نّهم لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرّحمن وقال صواباً، و مرّة يخبر أنّ الخلق لا  ينطقون، ويقول عن مقالتهم «والله ربّنا ما كنّا مشركين» و مرّة يخبر أنّهم يختصمون، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين و كيف لا أشك فيما تسمع ؟

                        قال : هات ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله عزّ و جلّ يقول: «وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة» و يقول: «لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير» و يقول: «ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى» و  يقول: «يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرّحمن و رضي له قولاً * يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم ولا يحيطون به علماً» و من أدركه الابصار فقد أحاط به العلم، فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين و كيف لا أشك فيما تسمع ؟

                        قال : هات أيضاً، ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله تبارك و تعالى يقول: «وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي باذنه ما يشاء» وقال: «وكلّم الله موسى تكليما» وقال: «وناديهما ربّهما» وقال: «يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك» وقال: «يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك» فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين و كيف لا أشك فيما تسمع ؟

                        قال : هات و يحك ما شككت فيه ، قال: و أجد الله جلّ ثناؤه يقول: «هل تعلم له سمياً» وقد يسمّى الانسان سميعاً بصيراً و ملكاً و ربّاً فمرّة يخبر بأنّ له أسامي كثيرة مشتركة، و مرّة يقول: «هل تعلم له سميّاً» فأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشكُّ فيما تسمع .

                        قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وجدت الله تبارك و تعالى يقول: «وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الارض ولا في السماء» . و يقول: «ولا  ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم». و يقول: «كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون». كيف ينظر إليهم من يحجب عنهم و أنّى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا   أشكُّ فيما تسمع .

                        قال: هات أيضاً ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله عزّ و جلّ يقول: «ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور» وقال: «الرّحمن على العرش استوى» وقال: «وهو الله في السموات و في الارض يعلم سرّكم و   جهركم» وقال: «والظاهر و الباطن» و قال: «وهو معكم أين ما كنتم» وقال: «   ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشكُّ فيما تسمع .

                        قال: هات أيضاً ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله جلّ ثناؤه يقول: «وجاء ربّك و الملك صفّاً صفّاً» وقال: «ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة» وقال: «هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام و الملائكة» وقال: «هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربّك أو يأتي بعض آيات ربّك يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» فمرّة يقول: «يوم يأتي ربّك» و مرّة يقول: «يوم يأتي بعض آيات ربّك» فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين و كيف لا أشك فيما تسمع.

                        قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله جلّ جلاله يقول: «بل هم بلقاء ربّهم كافرون» و ذكر المؤمنين فقال: «الّذين يظنّون أ نّهم ملاقوا ربّهم و أ نّهم إليه راجعون» وقال: «تحيّتهم يوم يلقونه سلام» وقال: «من كان يرجوا لقاء الله فإنّ أجل الله لآت» وقال: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً» فمرّة يخبر أ نّهم يلقونه، و مرّة: «أ نّه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار »، و مرّة يقول: «ولايحيطون به علماً» فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين و كيف لا أشكُّ فيما تسمع .

                        قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله تبارك و تعالى يقول: «   و   رأى المجرمون النّار فظنّوا أ نّهم مواقعوها». وقال: «يومئذ يوفيّهم الله دينهم الحقّ و يعلمون أنّ الله هو الحق المبين» وقال: «و تظنون بالله الظنونا» فمرّة يخبر أ نّهم يظنون و مرّة يخبر أ نّهم يعلمون، و الظن شكٌ فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا   أشكُّ فيما تسمع .

                        قال: هات ما شككت فيه، قال: و أجد الله تعالى يقول: «ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئاً» وقال: «فلا نقيم لهم يوم القيمة وزناً» وقال: «فاولئك يدخلون الجنّة يرزقون فيها بغير حساب» وقال: «والوزن يومئذ الحقُّ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفّت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون» فأنّى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشكُّ فيما تسمع .

                        قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: و أجد الله تعالى يقول: «قل يتوفيكم ملك الموت الّذي وكّل بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون» وقال: «الله يتوفى الأنفس حين موتها» وقال: «توفته رسلنا وهم لا يفرِّطون» وقال : «الّذين تتوفاهم الملائكة طيّبين» وقال: «الّذين تتوفيّهم الملائكة ظالمي أنفسهم» فأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع، وقد هلكت إن لم ترحمني وتشرح لي صدري فيما عسى أن يجري ذلك على يديك، فإن كان الرّبُّ تبارك و تعالى حقّاً و الكتاب حقّاً و الرُّسل حقّاً فقد هلكت و خسرت، و إن تكن الرُّسل باطلاً فما عليَّ بأسٌ وقد نجوت .

                        فقال عليٌّ عليه السلام: قدوسٌ ربّنا قدوس تبارك و تعالى علواً كبيراً، نشهد أ نّه هو الدائم الّذي لا يزول، ولا نشك فيه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، و   أنّ الكتاب حقٌّ والرُّسل حقٌّ، و أنّ الثواب و العقاب حقٌّ، فإن رزقت زيادة إيمان أو حرمته فإنّ ذلك بيد الله، إن شاء رزقك و إن شاء حرمك ذلك ، ولكن ساُعلّمك ما شككت فيه، ولا قوّة إلاّ بالله، فإن أراد الله بك خيراً أعلمك بعلمه و   ثبّتك ، و إن يكن شراً ضللت و هلكت .

                        أمّا قوله: «نسوا الله فنسيهم» إنّما يعني نسوا الله في دار الدُّنيا، لم يعملوا بطاعته فنسيهم في الآخرة أي لم يجعل لهم في ثوابه شيئاً فصاروا منسيين من الخير وكذلك تفسير قوله عزّ و جلّ: «فاليوم ننسيهم كما نسوا لقاء يومهم هذا» يعني بالنسيان أ نّه لم يثبهم كما يثيب أولياءه الّذين كانوا في دار الدُّنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به و برسله و خافوه بالغيب، وأمّا قوله: «وما كان ربّك نسيّاً» فإن ربّنا تبارك و تعالى علوّاً كبيراً ليس بالذي ينسى ولا يغفل بل هو الحفيظ العليم، وقد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا أي أ نّه لا يأمر لنا بخير ولا يذكرنا به، فهل فهمت ماذكر الله عزّ و جلّ قال:نعم، فرّجت عنّي فرّج الله عنك و حللت عنّي عقدة فعظّم الله أجرك .

                        فقال عليه السلام: وأمّا قوله: «يوم يقوم الرّوح والملائكة صفّاً لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرّحمن وقال صواباً» وقوله: «والله ربّنا ما كنّا مشركين» وقوله: «يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضاً» وقوله: «إنّ ذلك لحقٌّ تخاصم أهل النّار» وقوله: «لا تختصموا لديَّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد» وقوله: «اليوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون» فإنّ ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يجمع الله عزّ و جلّ الخلائق يومئذ في مواطن يتفرقون، و يكلّم بعضهم بعضاً و يستغفر بعضهم لبعض، اُولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدُّنيا للرؤساء والاتباع، و يلعن أهل المعاصي الذين بدت منهم البغضاء وتعاونوا على الظلم و العدوان في دار الدُّنيا، المستكبرين والمستضعفين يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً. و الكفر في هذه الآية البراءة، يقول: يبرأ بعضهم من بعض، و   نظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان «إني كفرت بما أشركتمون من قبل» وقول إبراهيم خليل الرّ حمن: «كفرنا بكم» يعني تبرأنا منكم، ثمّ يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه فلو أنّ تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم، و لتصدّعت قلوبهم إلاّ ما شاء الله، فلا يزالون يبكون الدّم، ثمّ يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: «والله ربّنا ما كنّا مشركين» فيختم الله تبارك و تعالى على أفواههم و يستنطق الأيدي و الأرجل والجلود فتشهد بكلِّ معصية كانت منهم، ثمّ يرفع عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: «لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كلَّ شيء» ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيفرُ بعضهم من بعض، فذلك قوله عزّ و جلّ : «يوم يفر المرء من أخيه  * و أمّه و أبيه * وصاحبته و بنيه» فيستنطقون فلا يتكلمون إلاّ من أذن له الرّحمن وقال صواباً، فيقول الرُّسل صلّى الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن فذلك قوله: «فكيف إذا جئنا من كلِّ أمّة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيداً» ثمّ يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد (ص) وهو المقام المحمود، فيثني على الله تبارك و تعالى بما لم يثن عليه أحد قبله ثمّ يثني على الملائكة كلّهم فلا يبقى ملك إلاّ أثنى عليه محمد (ص) ثمّ يثني على الرُّسل بما لم يثن عليهم أحد قبله، ثمّ يثني على كلِّ مؤمن و مؤمنة يبدأ بالصدِّيقين و الشهداء ثمّ بالصالحين، فيحمده أهل السماوات والأرض، فذلك قوله: «عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً» فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظٌّ  ، و ويلٌ لمن لم يكن له في ذلك المقام حظٌّ ولا   نصيبٌ، ثمّ يجتمعون في موطن آخر و يدال بعضهم من بعض، وهذا كلّه قبل الحساب، فإذا اُخذ في الحساب شغل كلُّ إنسان بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم، قال: فرّجت عنّي فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين و حللت عنّي عقدة فعظّم الله أجرك .

                        فقال عليه السلام : و أمّا قوله عزّ و جلّ: «وجوه يومئذ ناظرة إلى ربّها ناظرة» وقوله: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار» وقوله: «ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى» و قوله: «يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرّحمن و رضي له قولاً يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً» فأمّا قوله: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناضرة» فإنّ ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عزّ و جلّ بعدما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمّى الحيوان فيغتسلون فيه و   يشربون منه فتنضر وجوههم إشراقاً فيذهب عنهم كلُّ قذى و وعث ثمّ يؤمرون بدخول الجنّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربّهم كيف يثيبهم، ومنه يدخلون الجنّة، فذلك قوله عزّ و جلّ من تسليم الملائكة عليهم: «سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين» فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنّة و النظر إلى ما وعدهم ربّهم فذلك قوله: «إلى ربّها ناظرة» و إنّما يعني بالنظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك و  تعالى. و أمّا قوله: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»، فهو كما قال: «لا   تدركه الابصار» يعني لا تحيط به الاوهام «وهو يدرك الابصار» يعني يحيط بها وهو اللطيف الخبير، و ذلك مدح امتدح به ربّنا نفسه تبارك و تعالى وتقدّس علوّاً كبيراً، وقد سأل موسى عليه السلام و جرى على لسانه من حمد الله عزّ و جلّ «ربِّ أرني أنظر إليك» فكانت مسألته تلك أمراً عظيماً و سأل أمراً جسيماً فعوقب، فقال الله تبارك وتعالى : لن تراني في الدُّنيا حتّى تموت فتراني في الآخرة ولكن إن أردت أن تراني في الدُّنيا فانظر «إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني» فأبدى الله سبحانه بعض آياته و تجلّى ربّنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميماً و خرّ موسى صعقاً يعني ميتاً فكان عقوبته الموت ثمّ أحياه الله وبعثه وتاب عليه، فقال: «سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين» يعني أوّل مؤمن آمن بك منهم أ نّه لن يراك، و أمّا قوله: «ولقد رآه نزلة اُخرى عند سدرة المنتهى» يعني محمد (ص) كان عند سدرة المنتهى حيث لا يتجاوزها خلق من خلق الله وقوله في آخر الآية: «ما    زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربّه الكبرى» رأى جبرئيل (ع) في صورته مرّتين هذه المرّة ومرّة أخرى و ذلك أن خلق جبرئيل عظيم، فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم و صفتهم إلاّ الله ربُّ العالمين .

                        وأمّا قوله: «يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرّحمن و رضي له قولاً يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً» لا يحيط الخلائق بالله عزّ و   جلّ علماً إذ هو تبارك و تعالى جعل على أبصار القلوب الغطاء، فلا فهم يناله بالكيف، ولا قلب يثبته بالحدود، فلا يصفه إلاّ كما وصف نفسه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الأول والآخر والظاهر والباطن، الخالق البارئ المصوِّر، خلق الاشياء فليس من الاشياء شيء مثله تبارك و تعالى، فقال : فرّجت عنّي فرّج الله عنك و حللت عنّي عقدة فأعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين .

                        فقال عليه السلام: وأمّا قوله: «وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي باذنه ما يشاء» و قوله: «وكلّم الله موسى تكليماً» وقوله: «وناداهما ربهما» وقوله: «يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة» فأمّا قوله: «ما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب» فإنّه ما ينبغي لبشر أن يكلّمه الله إلا وحياً وليس بكائن إلاّ من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال الله تبارك و تعالى علوا كبيراً، قد كان الرّسول يوحى إليه من رسل السماء فيبلغ رسل السماء رسل الارض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الارض و بينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، وقد قال رسول الله (ص) : يا جبرئيل هل رأيت ربّك ؟ فقال جبرئيل: إنّ ربّي لا يرى، فقال رسول الله (ص) : فمن أين تأخذ الوحي ؟ فقال: من إسرافيل فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل ؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الرّوحانيين، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً، فهذا وحيٌ، وهو كلام الله عزّ و جلّ، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلّم الله به الرُّسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرُّسل، ومنه وحيٌ وتنزيل يتلى و يقرأ، فهو كلام الله، فاكتف بما وصفت لك من كلام الله، فإنّ معنى كلام الله ليس بنحو واحد فإنّ منه ما يبلغ به رسل السماء رسل الأرض، قال: فرّجت عنّي فرّج الله عنك و حللت عنّي عقدة فعظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين .

                        فقال عليه السلام : و أمّا قوله : «هل تعلم له سميّاً» فإنّ تأويله هل تعلم أحداً اسمه الله غير الله تبارك و تعالى، فإيّاك أن تفسّر القرآن برأيك حتّى تفقهّه عن العلماء، فإنّه ربَّ تنزيل يشبه كلام البشر وهو كلام الله، و تأويله لا يشبه كلام البشر ، كما ليس شيء من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تبارك و تعالى شيئاً من أفعال البشر، ولا يشبه شيء من كلامه كلام البشر ، فكلام الله تبارك و تعالى صفته  ، و كلام البشر أفعالهم، فلا تشبّه كلام الله بكلام البشر فتهلك و تضلّ، قال: فرّجت عنّي فرّج الله عنك، و حللت عنّي عقدة فعظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين.

                        فقال عليه السلام: : و أمّا قوله : «وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء»، كذلك ربّنا لا يعزب عنه شيء، وكيف يكون من خلق الأشياء لا يعلم ما خلق وهو الخلاّق العليم. و أمّا قوله: «لا ينظر إليهم يوم القيـمة» يخبر أنه لا يصيبهم بخير، وقد تقول العرب : والله ما ينظر إلينا فلان، و إنّما يعنون بذلك أ نّه لا يصيبنا منه بخير، فذلك النظر ههنا من الله تعالى إلى خلقه، فنظره إليهم رحمة منه لهم، و أمّا قوله: «كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون» فإنّما يعني بذلك يوم القيامة أ نّهم عن ثواب ربّهم محجوبون. قال: فرّجت عنّي فرّج الله عنك و   حللت عنّي عقدة فعظّم الله أجرك .

                        فقال عليه السلام: وأمّا قوله: «ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور» وقوله: «وهو الله في السموات وفي الأرض» وقوله: «الرّحمن على العرش استوى» وقوله: «وهو معكم أينما كنتم» وقوله: «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» فكذلك الله تبارك و تعالى سبّوحاً قدُّوساً، تعالى أن يجري منه ما يجري من المخلوقين وهو اللطيف الخبير ، وأجلُّ وأكبر أن ينزل به شيء ممّا ينزل بخلقه وهو على العرش استوى علمه ، شاهد لكلِ نجوى ، وهو الوكيل على كلِّ شيء، والميسر لكلِّ شيء، والمدبّر للأشياء كلّها، تعالى الله عن أن يكون على عرشه علواً كبيراً .

                        فقال عليه السلام: و أمّا قوله: «وجاء ربّك و الملك صفّاً صفّاً» و قوله: «ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة» وقوله: «هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة» وقوله : «هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربّك أو يأتي بعض آيات ربّك» فإنّ ذلك حقٌّ كما قال الله عزّ و جلّ، وليس له جيئة كجيئة الخلق، وقد أعلمتك أنّ ربّ شيء من كتاب الله تأويله على غير تنزيله ولا يشبه كلام البشر ، و سأنبّئك بطرف منه فتكتفي إن شاء الله، من ذلك قول إبراهيم(ع) : «إني ذاهب إلى ربّي سيهدين» فذهابه إلى ربّه توجّهه إليه عبادة و اجتهاداً و قربة إلى الله جلّ و عزّ  ، ألا ترى أنّ تأويله غير تنزيله، وقال : «وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد» يعني السلاح وغير ذلك، وقوله: «هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة» يخبر محمداً (ص) عن المشركين والمنافقين الذين لم يستجيبوا لله و للرّسول فقال: «هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة» حيث لم يستجيبوا لله و   لرسوله «أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربّك» يعني بذلك العذاب يأتيهم في دار الدُّنيا كما عذّب القرون الأولى  ، فهذا خبر يخبر به النبيّ   (ص) عنهم، ثم قال: «يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» يعني من قبل أن يجيىء هذه الآية، وهذه الآية طلوع الشمس من مغربها، و إنّما يكتفي اُولوا الألباب و الحجى و اُولو النهى أن يعلموا أ نّه إذا انكشف الغطاء رأوا ما يوعدون، وقال في آية اُخرى: «فأتـهم الله من حيث لم يحتسبوا» يعني أرسل عليهم عذاباً، وكذلك إتيانه بنيانهم قال الله عزّ وجل: «فأتى الله بنيانهم من القواعد» فإتيانه بنيانهم من القواعد إرسال العذاب عليهم، و كذلك ما وصف من أمر الآخرة تبارك اسمه وتعالى علواً كبيراً أ نّه يجري اُموره في ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة كما يجري أموره في الدُّنيا لا يغيب ولا يأفل مع الآفلين، فاكتف بما وصفت لك من ذلك مما جال في صدرك مما وصف الله عزّ و جلّ في كتابه، ولا تجعل كلامه ككلام البشر، وهو أعظم و  أجلُّ و أكرم و أعزُّ تبارك و  تعالى من أن يصفه الواصفون إلاّ بما وصف به نفسه في قوله عزّ و جلّ: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» قال: فرجت عني يا  أمير المؤمنين فرّج الله عنك، و حللت عنّي عقدة .

                        فقال عليه السلام: وأمّا قوله: «بل هم بلقاء ربّهم كافرون» و ذكر الله المؤمنين «الذين يظنون أ نّهم ملاقوا ربّهم» وقوله لغيرهم: «إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه» وقوله: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً» فأمّا قوله: «بل هم بلقاء ربّهم كافرون» يعني البعث فسمّاه الله عزّ و جلّ لقاءه، و كذلك ذكر المؤمنين «الّذين يظنّون أ نّهم ملاقوا ربّهم» يعني يوقنون أ نّهم يبعثون و  يحشرون و يحاسبون و يجزون بالثواب والعقاب ، فالظنّ ههنا اليقين خاصّة، و  كذلك قوله: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً» و قوله: «من كان يرجوا لقاء الله فإنّ أجل الله لآت» يعني: من كان يؤمن بأ نّه مبعوث فإنّ وعد الله لآت من الثواب و العقاب، فاللقاء ههنا ليس بالرؤية، و اللقاء هو البعث. فافهم جميع ما فى كتاب الله من لقائه فإنّه يعني بذلك البعث  ، و كذلك قوله: «تحيّتهم يوم يلقونه سلام» يعني أ نّه لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون، قال: فرّجت عنّي يا أمير المؤمنين فرّج الله عنك، فقد حللت عنّي عقدة .

                        فقال عليه السلام : وأمّا قوله: «و رأى المجرمون النّار فظنوا أ نّهم مواقعوها» يعني أيقنوا أ نّهم داخلوها، و كذلك قوله: «إنّي ظننت أني ملاق حسابيه» يقول: إنّي أيقنت أنّي اُبعث فاُحاسب، و كذلك قوله: «يومئذ يوفيّهم الله دينهم الحقّ و يعلمون أنّ الله هو الحقُّ المبين» و أمّا قوله للمنافقين: «و تظنّون بالله الظنونا» فهذا الظنُّ ظنُ شك وليس ظنُّ يقين، و الظنُّ ظنّان: ظنُّ شكٌ و ظنُّ يقين، فما كان من أمر معاد من الظنِّ فهو ظنُّ يقين، وما كان من أمر الدُّنيا فهو ظنُّ شك فافهم ما فسرت لك، قال: فرّجت عنّي يا أمير المؤمنين فرّج الله عنك .

                        فقال عليه السلام: وأمّا قوله تبارك و تعالى: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً» فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة، يدين الله تبارك و تعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين .

                        وفي غير هذا الحديث الموازين هم الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام.

                        وأمّا قوله عزّ و جلّ: «فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً» فإنّ ذلك خاصّة. و أمّا قوله : «فاُولئك يدخلون الجنّة يرزقون فيها بغير حساب» فإنّ رسول الله (ص) قال: قال الله عزّ و جلّ: لقد حقّت كرامتي - أو قال: مودّتي - لمن يراقبني و  يتحابّ بجلالي إنّ وجوههم يوم القيامة من نور على منابر من نور عليهم ثياب خضر، قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال: قوم ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ولكنّهم تحابوا بجلال الله و يدخلون الجنّة بغير حساب، نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا منهم برحمته. وأما قوله: فمن ثقلت موازينه و خفّت موازينه فإنّما يعني الحساب، توزن الحسنات و السيئات، والحسنات ثقل الميزان و السيئات خفّة الميزان.

                        فقال عليه السلام: وأمّا قوله: «قل يتوفيّكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون» وقوله : «الله يتوفى الأنفس حين موتها» و قوله: «توفته رسلنا وهم لا يفرِّطون» وقوله: «الذين تتوفيّهم الملائكة ظالمي أنفسهم» وقوله: «تتوفيّهم الملائكة طيّبين يقولون سلامٌ عليكم» فإن الله تبارك و تعالى يدبّر الأمور كيف يشاء، و يوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء أمّا ملك الموت فإنّ الله يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه و يوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه، والملائكة الذين سمّاهم الله عزّ ذكره وكّلهم بخاصّة ما يشاء من خلقه، إنّه تبارك و تعالى يدبّر الأمور كيف يشاء، وليس كلُّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلِّ الناس لأنّ منهم القويّ والضعيف، و لأنّ منه ما يطاق حمله ومنه ما لا  يطاق حمله إلاّ من يسهل الله له حمله و أعانه عليه من خاصّة أوليائه، و إنّما يكفيك أن تعلم أنّ الله هو المحيي المميت و أ نّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم، قال: فرّجت عنّي فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين و  نفع الله المسلمين بك .

                        فقال عليٌّ عليه السلام: للرّجل: إن كنت قد شرح الله صدرك بما قد تبيّنت لك فأنت والذي فلق الحبّة و برأ النسمة من المؤمنين حقّاً، فقال الرّجل: يا أمير المؤمنين كيف لي أن أعلم بأنّي من المؤمنين حقّاً ؟

                        قال عليه السلام: لا يعلم ذلك إلاّ من أعلمه الله على لسان نبيّه (ص) وشهد له رسول الله (ص) بالجنّة أو شرح الله صدره ليعلم ما في الكتب التي أنزلها الله عزّ و جلّ على رسله و أنبيائه، قال: يا أمير المؤمنين ومن يطيق ذلك ؟ قال: من شرح الله صدره و وفّقه له، فعليك بالعمل لله في سرِّ أمرك وعلانيتك فلا شيء يعدل العمل([1]).

                        انتهت رواية الشيخ الصدوق .

 دراسة مقارنة لاخبار الطبرسي مع رواية الشيخ الصدوق

                        لم يكن السائل لأمير المؤمنين زنديقاً كما وصمه الطبرسي صاحب الاحتجاج بل كان مؤمناً يشك في وجود تناقض في بعض آيات كتاب الله العزيز مع البعض الآخر فلمّا أبان له الامام عن عدم وجود تناقض بينها قال السائل: فرّجت عني فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين و نفع الله المسلمين بك . ولمّا كان الصدوق (ره) أورد الحديث في (باب الرّد على الثنوية والزنادقة) حسبه صاحب الاحتجاج زنديقاً .

                        وما نقله الشيخ النوري في ذيل الحديث (يح) - 18 عن الشيخ أسد الله الكاظمي قوله:

                        (وبالجملة فأمر الشيخ الصدوق مضطرب جداً ولا يحصل من فتواه غالباً علم ولا ظن لا([2]) ممّا يحصل من فتاوى اساطين المتأخرين وكذلك الحال في تصحيحه وترجيحه وقد ذكر صاحب (البحار) حديثاً عنه في (كتاب التوحيد) عن الدقاق عن الكليني باسناده عن أبي بصير عن الصادق (ع)، ثم قال: الخبر مأخوذ من (الكافي) وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق، وانه انما فعل ذلك لتوافق مذهب أهل العدل . انتهى .

                        و ربما طعن عليه بعض القدماء بمثل ذلك في حديث رواه في العمل في الصوم بالعدد . وهذا عجيب من مثله ).

                        أما ما نقله عن البحار ، فقد رجعنا الى الجزء الخامس منه ص 156 ط .  طهران، فوجدنا ما يأتي :

8 - يد : الدّقاق، عن الكليني ، عن علي بن محمد، رفعه، عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله (ع) جالساً وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يابن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم ؟ فقال أبو عبدالله (ع): أيّها السائل علم الله عزّ و جلّ أن لا يقوم أحد من خلقه بحقّه فلمّا علم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ولم يمنعهم إطاقة القبول منه لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و إن قدروا أن يأتوا خلالاً ينجيهم عن معصيته وهو معنى شاء ما شاء وهو سر «ص 365 - 366».

                        بيان : هذا الخبر مأخوذ من الكافي، وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظنّ بالصدوق و إنّه إنما فعل ذلك ليوافق مذهب أهل العدل، وفي الكافي هكذا: أيها السائل حكم الله عزّ و جلّ لا يقوم أحد من خلقه بحقّه فلمّا حكم بذلك وهب لأهل محبته القوّة على معرفته، و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، و وهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، و منعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّه.

                        (يد) رمز لكتاب توحيد الصدوق ونقل العلامة المجلسي الحديث منه و  الحديث في كتاب التوحيد ط . طهران 1387 هـ ص 354 - 355 :

                        وهب لاهل محبته القوة على معرفته، و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، و وهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم . فالظاهر انها كانت ساقطة عن نسخته من كتاب من لا يحضره الفقيه وما ذكره عن فتوى الصدوق بالعدد فهو ما  جاء في باب النوادر من ج 2 / 169 - 171 ط . طهران الاولى الروايات 2040 - 2044 من ان أيام شهر رمضان ثلاثون يوماً أبد الدهر و فتواه بذلك، و الجواب عن ذلك ان مشايخ الحديث، الكليني والصدوق والطوسي رضوان الله تعالى عليهم كفاهم فخراً وذخراً ليوم القيامة انهم جمعوا الاحاديث و دونوها في موسوعاتهم الحديثية وتركوها من بعدهم لالاف الفقهاء الذين جاءوا من بعدهم ليدرسوها سنداً و متناً و دلالة و يتحفونا بتحقيقاتهم في مؤلفاتهم الفقهية ولا ينبغي أن يطالب الشيخ الصدوق الذي ترك لنا أكثر من مائتي مؤلف في الحديث أن يتوصل إلى ما توصل إليه الفقهاء من بعده على مرّ القرون .

                        ثم ان اختلاف لفظي روايتي الصدوق والكليني لايدلّ على ما تجرأ به الشيخ اسد الله فقد مرّ بنا فى بحث (صنفان من الأخطاء) كيف وقع الخطأ في لفظ الكافي وكان الفاظ من روى عنه .

                        أمّا الشيخ النوري فلحاجته إلى أدلة على مدّعاه بتحريف القرآن و وجود النقصان فيه، رفع من شأن الطبرسي واستشهد بمنقولاته التي لا أصل لها وضعف شيخ الحديث الاقدم الملقب بالصدوق، و رماه بما اتّهمه به الشيخ اسد الله الكاظمي و دافع عن السيّاري الغالي المتهم بالقول بالتناسخ .

                        ب - ومن الاخبار التي لم يعرف لها أصل: الروايات الآتية:

                        (نح) 58 - فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره عن أحمد بن موسى عن الحسين بن ثابت عن أبيه عن شعبة بن الحجاج عن الحكم عن ابن عباس قال: أخذ النبي(ص) يد علي (ع) فقال: ان القرآن أربعة أرباع، ربع فينا أهل البيت خاصة، و ربع في أعدائنا، و ربع حلال و حرام، و ربع فرائض و أحكام، ورواه ابن المعالي من الجمهور في مناقبه كما نقل عنه في البرهان .

                        (نط) 59 - وعن محمد بن سعيد بن رحيم الهمداني ومحمد بن عيسى بن زكريا عن عبدالرحمن بن سراج عن حماد بن أعين عن الحسن بن عبدالرحمن عن الاصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال: القرآن أربعة أرباع، ربع فينا، و ربع في عدونا، و ربع فرائض و أحكام، و ربع حلال و حرام، ولنا كرائم القرآن.

                        (س) 60 - وعن أحمد بن الحسن بن اسماعيل بن صبيح والحسن بن علي بن الحسين السلولي عن محمد بن الحسين بن المطهر عن صالح بن الأسود عن حميد بن عبدالله النخعي عن زكريا بن ميسرة عن الأصبغ بن نباتة قال: قال علي  (ع): نزل القرآن أرباعاً وذكر قريباً منه .

                        وقد حسبنا روايات فرات بن إبراهيم ضمن روايات لا أصل لها، لأن من سمّي بفرات بن ابراهيم لم يعرف من هو، وقد ورد في تفسيره روايات الواقفية والزيدية واتباع مدرسة الخلفاء .

 دراسة الاسناد

                        في سند رواية (نح) 58 -

1 - شعبة بن الحجاج من رواة أحاديث مدرسة الخلفاء ترجمته في تقريب التهذيب 1 / 351 .

 2- حسين بن ثابت لم يرد ذكره في كتب تراجم الرواة .

 3- و من هو الحكم الذي روى عن ابن عباس؟

                        وفي سند رواية (نط) 59 -

1 - أحمد بن سعيد بن رحيم .

2 - محمد بن علي بن زكريا .

3 - عبدالرحمن بن سراج .

 4- حماد بن اعين .لم نجد ذكرهم في كتب تراجم الرواة .

                        و حسن بن عبدالرحمن مجهول حاله .

                        وفي سند رواية (س 60) :

1 - احمد بن الحسن بن اسماعيل بن صبيح .

2 - الحسن بن علي بن الحسين السلولي .

3 - محمد بن الحسين بن المطهر .

4 - صالح بن الاسود .

5 - حميد بن عبدالله النخعي . لم نجد ذكرهم في كتب تراجم الرواة .

                        و زكريا بن ميسرة مجهول حاله .

 دراسة المتون :

                        ان رواية (ند) 54 - (ان القرآن نزل على أربعة أرباع ربع حلال و...) كيف يستدل بها على وقوع التحريف أو النقصان في القرآن ولم لا نحمل (فينا وفي عدوّنا) في روايات 53 و 55 و 56 و 57  و 59 و 61 فينا وفي عدونا معاشر المسلمين و  سوف ندرس باذنه تعالى المراد من أربعة أرباع فى بحث روايات التحريف و التبديل .

                        ولو فرضنا ان المقصود من فينا هم (أهل البيت) وهم من نزلت فيهم الآية الكريمة ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) بما فيهم رسول الله(ص) وقد قال سبحانه في سورة الزمر / 11 و 12 : ( وأمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين * و أمرت لان أكون أول المسلمين ) .

                        وفي سورة الانعام / 14 : ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) .

                        وفي سورة البقرة / 285 : ( آمن الرسول بما أنزل إليه ) .

                        وكان أوّل المؤمنين من بعده من الرجال ابن عمه علي (ع) وعلى ذلك فكلمّا نزل في القرآن ( يا أيها الذين آمنوا ) أو مدح للمؤمنين و للمسلمين فاظهر مصاديقها هم، و ما جاء في القرآن من ذمّ و تقريع لاعداء المسلمين من المشركين واليهود والمنافقين فان أجلى مصاديقهم هم أعداء الرسول (ص) و ابن عمه علي وسائر أهل بيت الرسول (ص) .

                        على ان روايات انزل القرآن على أربعة أرباع أو ثلاثة أثلاث جاءت عند غير فرات وليس فيها و (ربع فينا أهل البيت خاصة) التي وردت في رواية فرات 58 و الروايات الاخرى هي في الكافي .

                        (نو) 56 - العياشي في تفسيره عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: نزل القرآن على أربعة أرباع، ربع فينا، و ربع في عدونا، و ربع في فرائض و أحكام، و ربع سنن و أمثال ولنا كرائم القرآن .

                        (نز) 57 - وعن محمد بن خالد الحجاج الكرخي عن بعض أصحابه رفعه إلى خيثمة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا خيثمة نزل القرآن أثلاثا، ثلث فينا وفي أحبائنا، وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا و ثلث سنّة و مثل .

تعريف بعض المصادر التي نقل منها الادلة :

                        مرّ بنا في بحث عقيدة الشيعة في الدور الأول ما موجزه ان :

1 - تفسير القمي :

                        يحتوي على بعض ما رُوي عن أبي الفضل العباس بن محمد وما أدرج فيه الراوي المجهول من تفسير أبي الجارود و أقوال مجهول قائلها .

2 - تفسير العياشي :

                        حذف منه الناسخ أسناد الروايات لغرض الاختصار وكيف يستدل بروايات لا يعلم من رواها أهو من راو موثوق أم هو غال ضالّ كذّاب أو انها روايات منتقلة من مدرسة الخلفاء .

 3- تفسير فرات الكوفي :

                        لم نجد لفرات ذكراً في كتب تراجم الرواة ولم يعرف من هو .

                        و حوى التفسير روايات الامامية و الزيدية والواقفية و أتباع مدرسة الخلفاء .

4 - الكتاب المسمى بأصل سليم بن قيس :

                        قال الشيخ المفيد فيه: (هذا الكتاب غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط و تدليس، فينبغي للمتديّن أن يتجنب العمل بكل ما فيه، ولا يعوّل على جملته والتقليد لروايته).

5 - بعض الادعية المذكورة بلا سند :

                        ومن الاخبار التي لا سند لها ولا أصل ما أورده الاستاذ ظهير في كتابه بعد تقديمه المقدمة الآتية، فقد قال في ص 28 منه :

                        «فيلزم الباحث المنصف أن لا ينسب شيئاً إلى القوم إلاّ أن يكون ثابتاً من أئمتهم. و الظاهر انّه لا يثبت إلاّ حينما يكون وارداً في الكتب التي خصّصت لايراد([3]) مروياتهم و أحاديثهم.

                        وهذه الكتب أمّا أن تكون من كتب الحديث أو التفسير، و  خاصّة الكتب القديمة التي روت هذه الروايات بالسند، أو وافق على صحّتها أئمة القوم المعصومين([4]) .

                        ونحن نلزم أنفسنا في هذا الباب أن لا نورد شيئاً إلاّ و يكون صادراً من([5])واحد من الائمة الاثني عشر، ومن كتب الشيعة أنفسهم المعتمدة لديهم والموثوقة([6]) عندهم»([7]).

                        و نحن نصحح ما قاله، و نقول: «لا يثبت صحّة الحديث لدى أتباع مدرسة أهل البيت (ع) إلاّ ما اتّصل بسند صحيح مسلسل إلى رسول الله  (ص)، ثم الأئمة الاثني عشر من بعده، ولا يكون مخالفاً للنصّ القرآني ، ولا متعارضاً  مع حديث صحيح آخر  .

                        كما شرحناه في محلّه من الجزء الثالث من معالم المدرستين».

                        وبناءً على ذلك، فلا عبرة بحديث لم يتصل سنده بهم، أو اتصل بهم وكان سنده مطعوناً فيه، أو مخالفاً للقرآن، أو متعارضاً مع حديث صحيح آخر .

                        بعد هذا نرجع إلى كتاب الاستاذ، لنرى هل وفى بما التزم به ؟

                        قال في ص 15 :

                        «... ان سورة النورين التي ذكرها الخطيب نقلاً عن كتاب شيعي (دبستان مذاهب)، لم ينفرد بذكرها ملا محسن الكشميري، بل وافقه علاّمة الشيعة المجلسي أيضاً، حيث ذكرها في كتابه»([8]).

                        ثم نقل السورة المختلقة في ص 18 منه و صوّرها من نسخة «فصل الخطاب» في ص 20 منه وهذا نصّها :


1 التوحيد للصدوق ، ص 255 - 269 الحديث 5 . ط . مكتبة الصدوق طهران .

2 وفي الأصل : لا تصحيف .

3 خصصت بإيراد، فهذا الفعل يتعدى إلى مفعوله الثاني بالباء لا باللام.

4 المعصومون، لأنها صفة لمرفوع .

5 عن، لأن صدر يتعدّى بهذا الحرف بـ من .

6 الموثوق بها، لأنّ الفعل وثق يتعدّى بالباء .

7 أعدنا ما نقلناه عنه في ص 62 لمسيس الحاجة إليه.

8 ونقلها الاستاذ ظهير كذلك في كتابه «الشيعة و السنّة» ص 120 منه .