(2)

 روايات منتقلة من مدرسة الخلفاء

  إلى مدرسة أهل البيت (ع)

                         (لـد) 34 - الصدوق في (الخصال) عن محمد بن عمر الجعابي([1]) عن عبد الله بن بشير عن الحسن بن الزبرقان عن أبي بكر بن عياش عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا ربّ حرقوني([2]) و مزقوني، و يقول المسجد: ياربّ عطلوني و ضيعوني، و تقول العترة: يا  ربّ قتلونا و طردونا ، فأجثوا للركبتين في الخصومة فيقول الله لي : أنا أولى بذلك .

                        قال الاستاذ ظهير في ص 64 :

                        «انّ الصدوق و السيد المرتضى و شيخ الطائفة (في التبيان) و أبو علي الطبرسي (في مجمع البيان) ذهبوا إلى عدم وقوع النقص والتغيير في القرآن الموجود بأيدي الناس».

                        ثم قال في ص 68 في مقام نقض القول السابق بالنسبة إلى الصدوق :

                        انّ الصدوق أورد بنفسه روايات كثيرة في كتبه التي ألّفها والتي تدلّ على تغيير القرآن و تحريفه ونقصانه، بدون أن يقدح فيها و يطعن، ما يدلّ على أنّ عقيدته الأصليّة كانت طبق ما اعتقدها القوم، فنورد هـهنا روايات تسعة من الأحاديث الكثيرة التي أوردها في كتبه، وقد يأتي ذكر بعضها في الباب الرابع .

                        فأولها ما أوردها في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي هو أحد الصحاح الأربعة الشيعية في كتاب النكاح تحت باب المتعة فيقول:

                        «أحل رسول الله (ص) المتعة ولم يحرمها حتى قبض - و استدل على ذلك بقوله - وقرأ ابن عباس فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله»([3]) .

                        و ثانيها ما أوردها في كتابه (الخصال)([4]) :

                        «حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجعابي قال: حدثنا عبدالله بن بشير قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلـح ، عن أبي الزبير ، عـن...» إلى آخر الحديث الآنف الذكر المرقم (لد) - 34 .

                        ثم قال :

                        وثالثها و رابعها و خامسها ما أورده في كتابه (معاني الأخبار) :

                        «حدثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني قالا: حدثنا سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري قال: حدثنا أحمد بن أبي الصباح، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبي يونس قال:

                        كتبت لعائشة مصحفاً، فقالت: إذا مررت بآية الصلاة فلا تكتبها حتى أمليها عليك، فلما مررت بها أملتها عليّ : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر » .

                        و «حدثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن أبي خلف الاشعري قال حدثنا سعد بن داؤد عن أبي دهر عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عمرو بن نافع، قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة زوجة النبي (ص) فقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب (حافظوا علىـ الصلوات والصلوة الوسطى وصلاة العصر) ».

                        و «حدثنا علي بن عبد الله الوراق، وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا حدثنا سعد بن عبدالله بن أبي خلف قال حدثنا أحمد بن أبي خلف الأشعري قال حدثنا سعد بن داؤد عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة زوجة النبي(ص) قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) ثم قالت عائشة: سمعتها والله من رسول الله صلى الله عليه وآله» ([5]).

                        ثم قال([6]) بعد ذكر هذه الاخبار الثلاثة :

                        وقال مصنف هذا الكتاب فهذه الأخبار حجة لنا على المخالفين والصلاة الوسطى صلاة الظهر.

                        انتهى ما أورده الاستاذ ظهير في هذا المقام .

دراسة الرواية :

                        أ - سند الرواية :

                        الحديث المرقم (لد) 34 - والحديث الذي أورده الاستاذ ظهير في الباب الثاني من كتابه في سندها :

                        1 - أبو بكر بن عياش : من رواة مدرسة الخلفاء .

                        قال الذهبي في ميزان الاعتدال  ]4 / 499[ الكوفي المقرئ ... لكنّه في الحديث يغلط و يَهِم . ضعّفه محمد بن عبد الله بن نمير .

                        وقال أبو نعيم : لم يكن في شيوخنا أحد أكبر غلطاً منه .

                        2 - أبو الزبير، محمد بن مسلم. قال في تهذيب التهذيب ]9 / 440 رقم الترجمة 727[ : روى عن العبادلة الاربعة وعن عائشة و جابر و أبي الطفيل و  سعيد بن جبير و عكرمة و ...

                         ب - متن الرواية :

                        (لـد) 34 - لفظ الرواية : «يقول المصحف يا ربّ حرّقوني و  مزقوني» اشارة الى ما فعله الخليفة الثالث عثمان من حرق المصاحف واتلافها و تمزيق الوليد للمصحف .

                        وما ذكره بعدها عن (من لا يحضره الفقيه) للصدوق وقال : «أحد الصحاح الاربعة الشيعية» .

                        ان فقهاء مدرسة أهل البيت لا يقولون بصحة كتاب عدا كتاب الله .

                        وخبر آية «فما استمتعتم به منهن الى أجل» فسوف يأتي بيانه مع الروايات الثالثة والرابعة والخامسة في بحث روايات في التحريف والتبديل . وان الزيادة في الروايات تفسير وبيان للفظ الآية، وليس جزءاً محذوفاً من الآية والعياذ بالله .

                        ولدراسة اسناد الروايات الباقية نمهّد لها بدراسة موجزة عن كيفية انتقال روايات مدرسة الخلفاء إلى كتب مدرسة أهل البيت :

                        1 - روى الكشي في رجاله ما ملخصّه: انّ محمد بن أبي عمير قيل له: انّك قد لقيت مشايخ العامة ، فكيف لم تسمع منهم ؟

                        فقال: قد سمعت منهم، غير انّي رأيت كثيراً من أصحابنا قد سمعوا علم العامّة و علم الخاصة، فاختلط عليهم، حتى كانوا يروون حديث العامّة عن الخاصة وحديث الخاصة عن العامّة، فكرهت أن يختلط عليّ، فتركت ذلك و  أقبلت على هذا ([7]) .

                        اذاً فانّ ابن أبي عمير شهد كثيرا من رواة مدرسة أهل البيت (ع) سمعوا علم العامّة و  علم الخاصّة، و اختلط عليهم، حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة و حديث الخاصّة عن العامّة .

                        وقد يكون منهم العياشي محمد بن مسعود بن محمد بن عيّاش السمرقندي.

                        قالوا في ترجمته :

                        «من مشايخ الرجال، ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة و كبيرها، جليل القدر، واسع الاخبار، بصير بالرواية، مضطلع بها له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنف، منها: كتاب التفسير المعروف. كان يروي عن الضعفاء .

                        وكان من أوّل عمره عامّي المذهب، وسمع حديث العامّة و اكثر منه، ثمّ تبصّر و عاد إلينا» ([8]).

                        و نورد هنا - أيضاً - ما ذكرناه في الجزء الثالث من «معالم المدرستين»:

                        ان الشيخ المفيد (ت: 413 هـ) نقل في أول كتابه «الجمل» روايات سيف الوضّاع الزنديق، التي أوردها الطبري في تاريخه ([9]).

                        وأيضاً نقل الشيخ الطوسي (ت : 460 هـ) في تفسير «التبيان» روايات كثيرة من كتب مدرسة الخلفاء ، وقراءات أخرى كثيرة، و  أوردها في تفسير الآيات وأخذ منه الطبرسي (ت: 548 هـ)، و أبـو الفتوح الرازي (ت: 554  هـ) في تفسيريهما. و أخذ منهما گازر (كان حياً في 722  هـ) في تفسيره «جلاء الأذهان» ونقل منهم ملا فتح الله الكاشاني (ت: 988 هـ) في تفسيره «منهج الصادقين»، و انّ ابن طاووس (ت : 664 هـ) نقل الدعاء الذي اختلقه «سيف بن عمر» من الطبري، من كتب مدرسة الخلفاء .

                        و فعل نظيرهم النراقيان: المولى مهدى (ت: 1209 هـ) في «جامع السعادات» و  المولى أحمد (ت  :  1245 هـ) في معراج السعادة عن الغزالي .

                        و المجلسي (ت: 1110 هـ) في «البحار» في السيرة عن أبي الحسن البكري([10]).

                        ولا نريد أن نقول: انّ هؤلاء الأعلام هم بأنفسهم قد اختلط الأمر عليهم، بل نرى أ نّهم في جلّ ما نقلوا عن كتب مدرسة الخلفاء، شخّصوا مصادرهم. فانّ المجلسي - مثلاً - يعيّن في باب ذكر مصادر موسوعته الحديثية «البحار» نيفا وخمسين ومائتي مصدر من مدرسة أهل البيت، و نيفا و تسعين مصدراً من مدرسة الخلفاء  . و انّما الناقلون عنهم، غالباً أخطأوا في دراية الحديث ، و ظنوا انّ الرواية شيعية، لانّها في كتاب شيعي. ثم انتقلت كذلك من كتاب الى كتاب و  اختلط الأمر على الباحثين. و سندرس باذنه تعالى مواردها في ما يأتي .

                        2 - من الروايات التي انتقلت من مدرسة الخلفاء إلى مدرسة أهل البيت(ع) ما ورد في كتاب «الشيعة والقرآن» ونقول:

                        كثيراً ما يسجّل الاستاذ ظهير على مدرسة أهل البيت ما ورد في «فصل الخطاب» نقلاً عن مدرسة الخلفاء . ومنه ما أورده في ص 16 منه وقال:

                        «قال في كتابه (فصل الخطاب): ونقصان السورة هو جائز ، كسورة الحفد و  سورة الخلع وسورة الولاية » ([11]).

                        أقول: انّ النوري قد نقل سورتي «الحفد» و «الخلع» المزعومتين، من كتب مدرسة الخلفاء، و عيّن في كتابه مصدرهما بمدرسة الخلفاء ، كما أوردناه في بحث الزيادة والنقيصة في القرآن من المجلد الثاني من هذا الكتاب ، ولكن الاستاذ ظهير سجّلهما بالكيفية التي نقل كلام الشيخ النورى، على مدرسة أهل البيت. وهو يعلم انّهما مرويتان في كتب مدرسة الخلفاء وحدها ([12]) .

                        ولعمله هذا في كتابه موارد كثيرة. منها ما نقله عن الشيخ الصدوق، و بدأ حديثه بقوله في ص 68 - 69 من كتابه :

                        «يقول المصحف: يا ربّ حرّفوني([13]) و مزّقوني  . ويقول المسجد: يا ربّ عطّلوني و ضيّعوني، و تقول العترة: يا ربّ قتلونا و طردونا و شرّدونا . فاجثوا للركبتين للخصومة، فيقول الله جلّ جلاله لي: أنا أولى بذلك» .

                        ذكر النوري هذا الحديث في ص 176 من كتابه بواسطة عن الفردوس للديلمي عن جابر و ورواه المتقي في كنز العمال واشار إلى رواته: أحمد والطبراني وسعيد بن منصور عن أبي امامة([14])، وقد درسنا سند هذه الرواية فيما سبق ([15]).

                        وقال الاستاذ احسان في ص 69 من كتابه :

                        «وثالثها و رابعها و خامسها، ما أوردها في كتابه «معاني الاخبار» عن أبي يونس قال: كتبت لعائشة مصحفاً، فقالت: إذا مررت بآية الصلاة فلا تكتبها حتى أمليها عليك، فلما مررت بها أملتها عليّ : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر -) ... الحديث .

                        هذه الروايات الثلاث، نقلها النوري في ص 174 و 175 من كتابه عن كتب مدرسة الخلفاء، مثل: صحيح مسلم و فتح الباري و الدر المنثور للسيوطي وغيرها، و أخرجناها من كتب الصحاح و السنن في بحث «مصاحف أمّهات المؤمنين» من المجلد الثاني من هذا الكتاب  . ولم يرغب الاستاذ احسان أن يشير إلى مصادرها في كتب مدرسة الخلفاء !

                        وقال في ص 70 منه :

                        «والرواية السادسة ما أوردها النوري في «فصل الخطاب» نقلاً عن «الامالي والعيون» لابن بابويه، عن الرضا (عليه السلام): انّ في قراءة اُبيّ بن كعب: (وانذر عشيرتك الأقربين - ورهطك منهم المخلصين) » .

                        هذه الرواية - أيضاً - نقلها النوري في ص 144 من كتابه عن صحيح البخاري و صحيح مسلم وتفسير الطبري ، وقد وردت في الدر المنثور للسيوطي، جميعاً عن ابن عباس([16]) ، و رواها الامام الرضا (ع) - ان صحت الرواية - عن اُبيّ بن كعب. مع أنّ الامام (ع) لم يقل انّ الآية كانت كذا ، و انّما أخبر عن قراءة اُبيّ، ولم يقل انّه كان مصيباً في قراءته، بل كان قول الامام من باب الاخبار عن قراءة اُبيّ. وقد ذكرنا في بحث المصطلحات انّ القراءة والإقراء بمعنى تعلّم لفظ القرآن و تفسيره الذي نزل على رسول الله (ص).

                        وقال في ص 70 منه - أيضاً - :

                        «والرواية السابعة هي التي ذكرها النوري في «فصل الخطاب» أيضاً نقلاً عن «الأمالي» لابن بابويه القمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): لـمّا أمر الله نبيّه أن ينصب أمير المؤمنين (ع) للناس في قوله تعالى: ( يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك - في علي - ) ».

                        هذه الرواية، نقلها النوري في ص 176 من كتابه عن تفسير الثعلبي، والاستاذ لم ينقل الرواية التي أخرجها النوري عن الثعلبي أحد مفسري مدرسة الخلفاء، وانّما أخذها من روايته عن ابن بابويه من محدثي مدرسة أهل البيت. والرواية ممّا اشتركت المدرستان في روايتها  . ثم - في عليّ - بيان من الرسول(ص) و سوف تأتي دراسة متون الروايات في بحث روايات في التحريف والتبديل ، وبيان ان الزيادات الواردة في الروايات في مقام بيان لفظ الآية وتفسير الآية .


1 في الأصل (الجعاني) تصحيف .

2 في الأصل ( حرفوني ) تصحيف .

3 من لا يحضره الفقيه للصدوق 3 / 459 .

4 كتاب الخصال ص 174 ، 175 ، باب الثلاثة .

5 معاني الاخبار لابن بابويه القمي، ص 313 - 314 ، ط . مكتبة فريد و ط . سنة 1379، باب معنى صلاة الوسطى، ح 2 ، ص 331 .

6 أي ، قال الصدوق .

7 رجال الكشّي ، ص 590 ، الرقم : 1105 .

8 راجع ترجمته في الخلاصة للعلامة الحلّي; و رجال النجاشي، و جامع الرواة للاردبيلي ; و  الكنى و الالقاب للمحدث القمي; و معجم رجال الحديث للخوئي .

9 معالم المدرستين، الجزء الثالث ، ص 359 .

10 وقد أوردنا تفصيل هذا الأمر فى الجزء السابع من «قيام الأئمة باحياء السنّة»  .

11 ونقلها - أيضاً - في كتابه «الشيعة و السنة» ص 121 .

     وسوف ندرس باذنه تعالى سورة الولاية فى بحث روايات لا أصل لها .

12 راجع بحث زيادة سورتين من روايات الزيادة والنقيصة في القرآن الكريم من المجلد الثاني من هذا الكتاب .

13 و حرّفوني تحريف، و الصواب: يا ربّ حرّقوني و مزّقوني ، اشارة إلى ما فعله الخليفة عثمان من حرق مصاحف الصحابة و تمزيقها .

14 كنز العمال 11 / 171 .

15 راجع ص  122 من هذا الكتاب .

16 صحيح البخارى، 3 / 148 في تفسير سورة «تبت يدا» من كتاب التفسير ، وصحيح مسلم 1 / 194 ، كتاب الايمان، باب قوله تعالى: وانذر عشيرتك ... ، حديث 355 ، وتفسير الآية بتفسير الطبري 19 / 74 ، والدر المنثور 5 / 96 و 97 .