عقيدة الشيعة
في الدور الثاني من القرآن
«نحن ذكرنا
فيما مر أن الشيعة كانوا يعتقدون التحريف في القرآن في الدور الاول بما فيهم أئمة
مذهبهم، و واضعو شرعتهم حسب مروياتهم، و لم يثبت عن واحد منهم أنه كان يعتقد خلاف
ذلك، لأنه بعد ما أسسوا مذهباً خاصاً بهم جعلوا من أصله و أساسه الامامة و الولاية
وقالوا : ...»
الى قوله في ص
52 :
«فوجدوا أن
الولاية و الوصاية و الامامة التي اختلقوها و اصطنعوها، ليس لها وجود في القرآن
البتة، فكيف يثبتونها وقد وجد ذكر غير الاهم منها - حسب زعمهم - في القرآن بالتكرار
و الاصرار . فالتجئوا لدفع هذا الايراد الى القول بان القرآن قد غير و نقص منه
أشياء . ولقد غيره و حذف منه أصحاب رسول الله (ص) عامة، و خلفاؤه و نوابه الذين
خلفوه و نابوا عنه لقيادة هذه الامة المجيدة المرحومة خاصة، لدفع علي و أهل بيته عن
حقهم، ولايتهم و إمامتهم، فأسقطوا من القرآن كل ما كان يدل على إمامتهم و وصايتهم،
و خلافتهم و نيابتهم عن النبي (ص) حسب زعمهم ».
ثم نقل من
احتجاج الطبرسي رواية بلا سند، جاء فيها :
«ان زنديقاً
جاء الى علي وقال: لولا ما في القرآن من الاختلاف و التناقض لدخلت في دينكم ...
الحديث».
الى ص 57 منه
ثم قال :
«وكما رووا عن
العياشي عن جعفر الصادق (ع)، انّه قال : لو قرئ القرآن كما أنزل لالفينا مسمّين
فيه».
ثم نقل عن
مقدمة البرهان ما يؤيد ذلك و سوف تأتي دراسة هذه الرواية باذنه تعالى في بحث
«روايات لا أصل لها» من أدلته في الباب الحادي عشر ، ثم قال الاستاذ ظهير في ص 60
منه :
«فهذا هو السبب
-
أي عدم ذكر أسماء الأئمة من أهل البيت في القرآن -
و المحرض الذي
جعلهم يقولون بذاك القول الباطل، ولكنهم لم يدركوا أنهم باظهار هذه العقيدة أظهروا
ما كانوا يريدون كتمانه من التظاهر بالاسلام، و التغلف بغلاف التقية، والتنقب
بنقاب الخديعة لاضلال المسلمين بلبس ملابسهم، و الصلاة بصلاتهم، والتوجه الى
قبلتهم، و أكل ذبيحتهم حيث انفصلوا عنهم انفصالاً كاملاً لانكارهم ذلك الكتاب
الالهي ...
وسهل على
المسلمين معرفة القوم و حقيقتهم، فاضطرب عليهم أمرهم واجتمع عمداؤهم و كبراؤهم
ففكروا و تدبروا كثيراً حتى يخفوا ما ظهر و يكتموا ما بدا و صدر فلبسوا لباس
الخداع و التقية مرة أخرى ، و أظهروا ما لم يكونوا يعتقدون لخداع المسلمين و غشهم.
فأول من برز في الشيعة بالقول المخالف لهذه العقيدة العتيقة، الراسخة الثابتة كان
ابن بابويه القمي استاذ الفقيه «المفيد» الذي لقبوه بالصدوق المتوفي سنة 381 هـ لا
سابق له في القوم .
فانظروا إليه
ماذا يقول :
اعتقادنا أن
القرآن الذي أّنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه و آله هو ما بين
الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، و مبلغ سوره عند الناس مائة و
أربعة عشر سورة، و عندنا أن «الضحى» و «ألم نشرح» سورة واحدة و «لايلاف» و «ألم تر
كيف» سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب . وما روى من
ثواب قراءة كل سورة من القرآن، و ثواب من ختم القرآن كله، وجواز قراءة سورتين في
ركعة، و النهي عن القرآن بين سورتين في ركعة فريضة تصديق لما قلناه في أمر القرآن ،
و أن مبلغه ما في أيدي الناس. و كذلك ما روي من النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة
واحدة، و أنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلنا أيضاً
([1])
.
و تبعه في ذلك
السيد المرتضى مؤلف نهج البلاغة و مرتبه المتوفى سنة 436 هـ([2])
كما ذكر أبو على الطبرسي في مقدمة تفسيره (مجمع البيان) تحت الفن الخامس :
«ومن ذلك
الكلام في نقصان القرآن و زيادته فانه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع
على بطلانه، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا و قوم من حشوية العامة أن
في القرآن تغييراً و نقصاناً . و الصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره
المرتضى قدس الله روحه، و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل
الطرابلسيات، و ذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، و الحوادث
الكبار ، و الوقائع العظام، و الكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة فان العناية
اشتدت، و الدواعي توفرت على نقله وحراسته، و بلغت الى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لان
القرآن معجزة النبوة، و مأخذ العلوم الشرعية، و الاحكام الدينية و علماء المسلمين
قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه و قراءته
و حروفه و آياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة و الضبط
الشديد.
وقال أيضاً قدس
الله روحه :
إن العلم
بتفسير القرآن و ابعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته . وجرى ذلك بجملته مجرى ما علم
ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه و المزني. فان أهل العناية بهذا الشأن يعلمون
من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أن مدخلا ادخل في كتاب سيبويه بابا في
النحو ليس من الكتاب لعرف ، و ميز، و علم أنه ملحق، و ليس من أصل الكتاب ، و كذلك
القول في كتاب المزني .
ومعلوم أن
العناية بنقل القرآن و ضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشعراء. و
ذكر أيضاً (رض) أن القرآن كان على عهد رسول الله(ص) مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه
الآن ، و استدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عين
على جماعة من الصحابة في حفظهم له، و إنه كان يعرض على النبي(ص) و يتلى عليه. و إن
جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود و أُبي بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على
النبي(ص) عدة ختمات، و كل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور
ولا مبثوث. وذكر أن من خالف في ذلك من الامامية و الحشوية لا يعتد بخلافهم»([3])
.
وثالثهم أبو
جعفر الطوسي تلميذ السيد المرتضى و الشيخ المفيد المتوفى سنة 460 هـ فقد قال في
تبيانه :
وأما الكلام في
زيادته و نقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لانّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، و
النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا،
وهو الذي نصره المرتضى (ره)، وهو الظاهر في الروايات - الى أن قال - و رواياتنا
متناصرة بالحث على قراءته، و التمسك بما فيه، و رد ما يرد من اختلاف الأخبار في
الفروع إليه، و عرضها عليه، فما وافقه عمل عليه، وما خالفه تجنب، ولم يلتفت إليه، و
قد روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف
فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، و إنهما لن
يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لانه لا يجوز أن
يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله
حاصل في كل وقت، و إذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل
بتفسيره، و بيان معانيه، و ترك ما سواه([4])
.
فهؤلاء الثلاثة
الذين أظهروا الانكار من التحريف في القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، لا رابع
لهم طوال القرون الخمسة الاولى ...
و رابعهم الذي
أخذ بقولهم، و انتهج منهجهم و سلك مسلكهم لاظهار هذا القول هو الذي جاء بعدهم بقرن
أبو على الطبرسى صاحب تفسير (مجمع البيان) المتوفى سنة 548 هـ .
فهؤلاء هم
الأربعة في الدور الثاني .
يعني لا وجود
لهذا القول الى منتصف القرن الرابع في الدور الاول، حيث أن أئمة القوم كلهم، و
رواتهم المتقدمين، و محدثيهم، و مفسريهم المعتمدين الموثوقين لم يقولوا، و لم
يصرحوا إلاّ بعكس ذلك - حسب مرويات القوم ومزعوماتهم - .
وأما في الدور
الثاني أي بعد منتصف القرن الرابع الى القرن السادس في القرنين كلها صدر هذا القول
أول مرة في الشيعة من هؤلاء الاربعة لا خامس لهم كما تتبعنا كتب القوم من الحديث و
التفسير و الاعتقادات .
الى قوله :
وهذا مع ان
عقيدتهم التي أظهروها للناس لم تكن مستندة الى قول من معصوميهم، و رواية عن أئمتهم
الذين يعتقدون أنهم هم الذين وضعوا بذرة الشيعة وأسسوا قواعدها و إن مذهبهم ليس إلا
مستقى من أقوالهم و مستمداً من إرشاداتهم، تعليماتهم و توجيهاتهم، بل و بعكس ذلك هم
أنفسهم رووا في كتبهم أخباراً وأحاديث من أئمتهم المعصومين تخالفها و تناوئها كما
سنبينه إن شاء الله .
فهذا كل ما عند
القوم لخداع المسلمين عامة و أهل السنّة خاصة. ولذلك ترى أنه كلما يظهر لهم عوارهم،
و يبين لهم فسادهم، و يثبت انفصالهم عن المسلمين و الشريعة السماوية الغرّاء التي
لم تقم إلاّ على أساس القرآن إن لا يوجد لم توجد، التجئوا الى هؤلاء الاربعة، و
ركنوا إليهم، و دخلوا في كنفهم و استظلوا بظلهم، و تحصنوا وراء مقولاتهم .
وقال في ص 66
منه :
وقبل أن نحلل
كلامهم و نخبر عن السّر الذي الجأهم الى الاكتناف بهذا القول والاظهار بهذه العقيدة
نتريث لحظة و نتوقف برهة و نطالبهم جميعاً هل يستطيع أحد منهم أن يثبت أن في القوم
أحداً من سبقهم الى هذا القول أو لهم خامس أظهر هذه المقالة ؟
كلا لا يستطيع
أحد أن يفعل ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً وهؤلاء الاربعة لم يقولوا بتلك المقالة
إلاّ خوفاً من بطش الحق ...
ثم قال في ص 68
في مقام نقض القول السابق بالنسبة الى الصدوق :
«انّ الصدوق
أورد بنفسه روايات كثيرة في كتبه التي ألفها و التي تدلّ على تغيير القرآن و تحريفه
و نقصانه، بدون أن يقدح فيها و يطعن، ما يدلّ على أنّ عقيدته الاصليّة كانت طبق ما
اعتقدها القوم. فنورد هـهنا روايات تسعة من الاحاديث الكثيرة التي أوردها في كتبه،
وقد يأتي ذكر بعضها في الباب الرابع .
و سوف ندرس -
باذنه تعالى - الروايات التي نقلها من مؤلفات الشيخ الصدوق في «دراسة روايات الباب
الحادي عشر و الثاني عشر» الآتيين حيث كرّر نقل هذه الروايات هناك - أيضاً - و نبين
باذنه تعالى انّها روايات منتقلة من مدرسة الخلفاء الى كتب مدرسة أهل البيت . على
ان الشيخ الصدوق الذي ألف أكثر من مائتي كتاب في الحديث كان يجمع في كل باب كل ما
وجده من حديث كما يفعل ذلك السيوطي الشافعي في تفسيره الدر المنثور فانه يأتي في
تفسير كل آية كل ما وجده من حديث و كثيراً ما يجمع بين الاحاديث المتناقضة دون أن
يعلّق عليها ولا يصح أن نقول: انه كان يؤمن بكل ما نقل من حديث لانه كان ينقلها
(دون أن يقدح أو يطعن فيها) كما فعل الاستاذ ظهير في شأن الشيخ الصدوق وسوف يأتي
باذنه تعالى في بحث روايات التحريف ما أخرجه السيوطي من روايات متناقضة في تفسير
آية التطهير، أضف إليه ان الشيخ الصدوق لم يكتف بالقول بان القرآن مصون عن كل تحريف
بل أقام الدليل القوي الرصين تلو الدليل القوي على ان القرآن مصون عن كل تحريف،
فماذا ينبغي أن يقال لمن أخرج تلك الروايات من علماء مدرسة الخلفاء في كتبه دون أن
يقيم الدليل على أن القرآن مصون عن التحريف؟ ألا ينبغي أن يقال للاستاذ ظهير رمتني
بدائها وانسلّت ؟
وقال في ص 15
منه :
«وذكرنا سورة
النورين أو سورة الولاية من خاتمة مجتهدي القوم الملا محمد باقر المجلسي، من كتابه
تذكرة الائمة».
وسوف ندرس هذه
السورة المزعومة في دراسة روايات لا أصل لها من أدلة الباب الحادي عشر باذنه تعالى.
1 الاعتقادات
لابن بابويه القمي ، ط . ايران 1224 هـ .
2 ان مؤلف نهج
البلاغة هو الشريف الرضي أخو الشريف المرتضى و المتوفى سنة 406 هـ .
3 مجمع البيان،
لابي علي الطبرسي ج 1 ، المقدمة ص 15 ط . دار احياء التراث العربي ، بيروت ،
لبنان .
4 التبيان ، ج 1
ص 3 ط . النجف .