أولا - عن السيد نعمة الله الجزائري :

                        قال الاستاذ البحاثة الشيخ معرفت في كتابه : صيانة القرآن من التحريف :

                        «نعم، حدثت فكرة وقوع التحريف من قبل فئة هم شرذمة قليلة من هذه الأمة ممّن لا اعتداد بهم في جماعة الشيعة، و ذلك في عهد متأخّر ، منذ أن نبغ نابغتهم الجزائري (1050 - 1112) في حاشية الخليج .

                        فأشاد من هذه الفكرة و أسّس بنيانها على قواعد الاسترسال و الانطلاق مع شوارد الاخبار و غرائب الآثار .

                        و انطلقت وراءه زرافات من أهل الخبط و التخليط، و أخيراً رائدهم النوري (1254 - 1320) في فصل الخطاب، الذي حاول فيه نقض دلائل الكتاب، و نفي حجّيته القاطعة، الثابتة عند أهل الصواب .

                        و إليك من دلائل الجزائري في كتابه «منبع الحياة !» :

                        قال: «إنّ الأخبار المستفيضة بل المتواترة قد دلّت على وقوع الزيادة و  النقصان والتحريف في القرآن. منها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام لمّا سئل عن التناسب بين الجملتين في قوله تعالى: (وإن خِفتُم أَلاَّ تُقسِطُوا في اليَتَامى فَانكِحوا ما طابَ لَكُم مِنَ النِّساءِ مَثنى و ثُلاثَ و رُباعَ) فقال : لقد سقط أكثر من ثلث القرآن .

                        ومنها: ما روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ( كُنتُم خيرَ أُمَّة  ...  ) قال: كيف يكون هذه الأمة وقد قتلوا ابن رسول الله ليس هكذا نزلت و  إنّما نزولها «كنتم خير أئمة» يعني الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.

                        و منها : ما روي في الأخبار المستفيضة أنّ آية الغدير هكذا نزلت «يا  أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك - في عليّ - فإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته»  !! إلى غير ذلك ممّا لو جمع لصار كتاباً كبير الحجم » !

                        قال: «وأمّا الازمان التي ورد على القرآن فيها التحريف و الزيادة و  النقصان، فهما عصران: العصر الأول عصره (ص) و أعصار الصحابة. و  ذلك من وجوه :

                        أحدها : أنّ القرآن كان ينزل منجماً على حسب المصالح و الوقائع، وكتّاب الوحي كانوا ما يقرب من أربعة عشر رجلاً من الصحابة، و كان رئيسهم أمير المؤمنين عليه السلام، وقد كانوا في الاغلب ما يكتبون إلاّ ما يتعلّق بالاحكام و إلاّ ما يوحى اليه في المحافل و المجامع. و أمّا الذي كان يكتب ما ينزل في خلواته و منازله، فليس هو إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام لأ نّه كان يدور معه كيفما دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف» .

                        قال: «و لمّا مضى (ص) إلى لقاء حبيبه، و تفرّقت الأهواء بعده جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن كما اُنزل، و شدّه بردائه و أتى به الى المسجد وفيه الاعرابيان و أعيان الصحابة، فقال لهم: «هذا كتاب ربّكم كما اُنزل» . فقال له الاعرابي الجلف: «ليس لنا فيه حاجة، هذا عندنا مصحف عثمان !» فقال عليه السلام: «لن تروه ولن يراه أحد حتى يظهر ولدي صاحب الزمان، فيحمل الناس على تلاوته والعمل بأحكامه. ويرفع الله سبحانه هذا المصحف إلى السماء».

                        ولمّا تخلّف ذلك الاعرابي احتال في استخراج ذلك المصحف، ليحرقه كما أحرق مصحف ابن مسعود، فطلبه من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى».

                        قال: «وهذا القرآن عند الأئمة يتلونه في خلواتهم. و ربّما أطلعوا عليه بعض خواصّهم، كما رواه ثقة الاسلام الكليني - عطّر الله مرقده - باسناده عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام و أنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس. فقال أبو عبد الله عليه السلام: مه كفّ عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب الله على حدّه و أخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام».

                        قال: «وهذا الحديث وما بمعناه قد أظهر العذر في تلاوتنا هذا المصحف والعمل بأحكامه».

                        و ثانيها: «أنّ المصاحف لـمّا كانت متعدّدة لتعدّد كتّاب الوحي عمد الاعرابيان الى انتخاب ما كتبه عثمان و جملة ما كتبه غيره، و جمعوا الباقي في قدر فيه ماء حار فطبخوه».

                        قال: «ولو كانت تلك المصاحف كلّها على نمط واحد لما صنعوا هذا الشنيع الذي صار عليهم من أعظم المطاعن».

                        وثالثها: «أنّ المصاحف كانت مشتملة على مدائح أهل البيت عليهم السلام صريحاً، و لعن المنافقين و بني أميّة نصّاً و تلويحاً . فعمدوا أيضا الى هذا و  رفعوه من المصاحف حذراً من الفضائح و حسداً لعترته (ص) ».

                        و رابعها: «ما ذكره الثقة الجليل علي بن طاووس رحمه الله في كتاب سعد السعود عن محمد بن بحر الرهني - من أعاظم علماء العامّة - في بيان التفاوت في المصاحف التي بعث بها عثمان الى أهل الامصار . وعدد ما وقع فيها من الاختلاف بالكلمات و الحروف، مع أ نّها كلّها بخطّ عثمان ! »

                        قال: «فإذا كان هذا حال اختلاف مصاحفه التي هي بخطّه فكيف حال غيرها من مصاحف كتّاب الوحي و التابعين !؟

                        و أمّا العصر الثاني، فهو زمن القرّاء، و ذلك أن المصحف الذي وقع اليهم خال من الاعراب و النقط كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخطّ مولانا أمير المؤمنين عليه السلام و أولاده المعصومين صلوات الله عليهم. وقد شاهدت عدّة منها في خزانة الرضا عليه السلام».

                        قال: «وبالجملة لـمّا وقعت اليهم المصاحف على ذلك الحال تصرّفوا في إعرابها ونقطها و إدغامها و إمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذاهبهم في اللغة و العربيّة ...([1]) ».

                        قلت: و لعلّ مواضع الخلط في كلامه هذا واضحة، تغنينا عن تكلّف الردّ عليه.

                        اُنظر الى مبلغ علم الرجل بتاريخ جمع القرآن، يقول: إنّ علياً عليه السلام لـمّا جاء بمصحفه الى القوم، قام الثاني و قال: يكفينا مصحف عثمان ! أين كان موضع عثمان يومذاك من جمع القرآن ؟!

                        ويقول: كانت المصاحف المرسلة الى الآفاق كلّها بخطّ يد عثمان ؟! وهل كان عثمان يكتب المصاحف بخطّ يده ؟!

                        وتارةً يقول: إنّ عمر أحرق مصحف ابن مسعود، و أراد إحراق مصحف عليّ أيضاً، و احتال في ذلك فلم يقدر !!

                        و اُخرى يقول: «إنّ أبا بكر و عمر هما اللذان أحرقا المصاحف، و انتخبا ما جمعه عثمان في مصحفه، فجعلوها في قدر و طبخوها !!» .

                        و أخيراً فإنّه يجعل من اختلاف القراءات دليلاً على تحريف القرآن ؟!

                        وقد أشرنا - في بحث القراءات - أنّ القرآن شيء و القراءات شيء آخر .

                        و العمدة استناده الى لفيف من روايات زعمها متواترة و وافية باثبات المطلوب، و ذكر منها نماذج حسبها من أجلى الدلائل النقلية لاثبات المقصود.

                        ونحن إذ نأتي على روايات الباب جملة و افراداً في مجاله المناسب الآتي، نحاول نقد هذه النماذج عاجلاً، ليتبيّن وهن مستمسك القوم فيما عرضوه من روايات. إذ ما دلّ منها على التحريف لا اسناد له صالحاً للاعتبار ، وما صحّ سنده لا  مساس له بمسألة التحريف. وعليه فقس ما سواه .

                        أمّا حديث إسقاط ثلث القرآن من آية النساء / 3، فهذا ممّا تفرّد به صاحب الاحتجاج([2]) نقلاً مرسلاً على عادته في ايراد المراسيل، ومن ثمّ فإنّ كتابه غير صالح للاعتماد وعليه لم يعتمده الاصحاب حتى إنّ السيد هاشم البحراني (ت:  1107) لم يعتبره، ولم يورد الحديث في تفسيره «البرهان» الذي وضعه على أساس جمع الاحاديث الواردة بشأن الآيات .

                        وهكذا لم يذكرها العياشي (المتوفى أوائل القرن الرابع) ولا القمي (كان حيا الى 307) ولا  غيرهما من أصحاب التفسير بالمأثور .

                        وقد ذكر السيد بحر  العلوم ستة من المعاريف ممّن يحتمل انتساب الكتاب اليه([3]) ولعلّه طبرسي آخر من أهل طبرستان أو تفرش المعرّب الى طبرس، كما ذكره أهل التحقيق([4]).

                        ثمّ إنّ الحديث مستنكر لا يستسيغه العقل ولا الشرع الحنيف. جاء فيه: «وبين القسط في اليتامى و بين نكاح النساء، من الخطاب و القصص أكثر من ثلث القرآن» يعني أنّ تلك الكميّة العظيمة (ما ينوف على ألفي آية) من الخطابات و  القصص كانت ضمن آية واحدة هي الآية الثالثة من سورة النساء، فأسقطها المنافقون ! و لماذا ؟!

                        ويقول: وهذا وما أشبهه ممّا ظهرت حوادث المنافقين فيه لاهل النظر والتأمّل، و وجد المعطلون و أهل الملل المخالفة مساغاً الى القدح في القرآن. ولو شرحت لك كلّ ما اُسقط و حرّف و بدّل ممّا يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقيّة إظهاره  !([5])

                        وقال - قبل ذلك - : وليس يسوغ مع عموم التقيّة التصريح بأسماء المبدّلين ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل و الكفر و الملل المنحرفة و إبطال هذا العَلَم الظاهر - إلى قوله  ـ فحسبك من الجواب في هذا الموضع ما سمعت، فإنّ شريعة التقيّة تحظر التصريح بأكثر منه([6]).

                        إن هذا إلاّ تناقض صريح، كيف تمنعه التقيّة عن الإفشاء، وقد أكثر من الإفشاء بشأن الكتاب تجاه زنادقة كانوا من خارجي الملّة ومن أهل الطعن في الدين !

                        هذا فضلاً عن نبوء اُسلوب هذا الحديث عن أساليب كلام الامام أمير المؤمنين عليه السلام البليغ البديع الذي هو تلو كلامه تعالى المعجز الوجيز .

                        و الأرجح في النظر أنّ هذا الحديث - على طوله و تفنّنه - من وضع بعض أهل الجدل في الكلام، ناقش فيه ما ذكره أهل الزندقة عيباً على اُسلوب القرآن، فأجاب وفق معلوم ذهنه وعلى مستوى ذهنيّته الخاصّة، ناسباً له الى الامام تعبيراً على العوام ! يدلّك على ذلك استعماله لبعض المصطلحات المستحدثة في عصور متأخّرة ! كتعبير «بقية الله» عن الامام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف. و كتعبير الفعل الماضي و المستقبل من مصطلحات أهل النحو([7]) .

ثانياً - البحراني و مقدمة تفسيره :

                        فقد قال عن كتابه في لؤلؤة البحرين:

                        «كتاب البرهان في تفسير القرآن» ستّة مجلدات وقد جمع فيه جملة من الاخبار الواردة في التفسير من الكتب القديمة الغريبة وغيرها».

                        وقال الشيخ النوري عن مقدمة تفسيره التي استدلّ بما ورد فيها احسان الهي ظهير: (انها) من مؤلفات الشيخ أبي الحسن الفتوني العاملي (ت:  1138 هـ) وقال: ومن الحوادث الطريفة انّ مجلّد مقدمات تفسيره موجود الآن بخط مؤلّفه واستنسخناه بتعب و مشقّة وكانت النسخة معي في بعض أسفاري الى طهران فأخذها منّي بعض أركان الدولة وكان عازماً على طبع تفسير البرهان وقال لي: ان تفسيره (= تفسير البرهان) خال عن البيان، فيتناسب ان نلحق به هذه النسخة وطبع في مجلّد([8]).

                        وان الاستاذ احسان ظهير اكتفى بنقل ما جاء فيها من كتب مدرسة أهل البيت على حد زعمه، و اسقط منها ما نقلها من كتب مدرسة الخلفاء كما هي عادته في كتابه .


1 منبع الحياة ط . بغداد ص 68 - 70 ، و المطبوعة ببيروت مع رسالة «الشهاب الثاقب» للفيض الكاشاني ص 66 - 69 .

2 راجع ج 1 ص 377 ط. نجف . أبي منصور أحمد بن علي الطبرسي (620) و راجع تفصيله في البحث عن احتجاج الطبرسي الآتي واعتراض الشيخ النوري على الصدوق فيما أورد من الرواية مسنداً و عارياً عما جاء في الاحتجاج مرسلاً.

3 مقدّمة كتاب الاحتجاج : ص هـ .

4 هامش تصحيح الاعتقاد ص 58 - 60 .

5 الاحتجاج : ج 1 ص 377 .

6 المصدر نفسه : ص 371 .

7 صيانة القرآن من التحريف ص 197 - 203 ; والاحتجاج 1 / 375 .

8 راجع ترجمة المؤلف بمقدمة المقدمة ص : ج - د .