إذا
تصفحنا
حياة ابن طيفور نرى أنه لم يكن ثريّا مترفا من طبقة الناس
المتمولين, بل نرى أنّهُ كغيره من الشعراء و الأدباء في عصره يمتهن الشعر
ليرتزق منه و لامرار المعاش. كما أنشد هو يوما و قال :
و
ما الشعر الّا السيف ينبو وحدُّه
حسـامٌ و يــمضي و هو ليس بذي حـدّ
و
لو كان بـالإحسان يُرزق شـاعرٌ
لأجدى الذي يكدي و أكدى الذي يجدي
و من
الشخصيات التي مدحها أبو الفضل هو الوزير الحسن بن مخلد
وزير الخليفة العباسي المعتمد, فمن ذلك ما ذكره ياقوت الحموي
بترجمته و قال : و حدث الجهشياري في كتاب الوزراء, قال :
مدح
أحمد بن أبي طاهر الحسن بن مخلد, وزير المعتمد , فأمر له بمائة
دينار, و قال : إيت رجاء الخادم فخذها منه, فلقى أحمد رجاء فقال
له : لم يأمرني بشيء , فكتب إلى الحسن ــ بن مخلد ــ
أما
رجـاءُ فأرجــا ما أمــرت بــه
فكيف إن كنت لم تأمُره يأتمرُ
بادر بجودك مهما كنت مقتدرا
فليس في كلّ حال أنت مقتدرُ
فأمر
بأضعافها له.
(1)
نقل
ياقوت الحموي هذا الخبر عن الجهشياري في كتابه الوزراء و
الكتاب, عندما رجعنا إلى الكتاب المطبوع و المتداول بأيدي الناس, لم نجد
ذلك فيه, لأن الكتاب يتحدث عن أخبار الوزراء و الكتاب إلى فترة غير قصيرة
من عصر المأمون.
وقد
وجدنا هذا الخبر في كتيب لميخائيل عواد جمع فيه النصوص الضائعة من
كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري .
(2) و أما غير الجهشياري من
المؤرخين فقد وجدنا هذا الخبر عند ابن عسكر يرويه (ينقله) عن ابن
أبي طاهر مختصرا في ترجمته وزير الخليفة العباسي المعتمد, الحسن بن
مخلد.
(3)
و قد
مرّت على أبي الفضل أيام و هو في ضيق و ضنك من العيش, فمثلا يحدث
أبو دهقان عن بعض الأيام التي مرّت عليه و يقول :
كُنتُ
أنزلُ في جوار المُعلّى ابن أيوب صاحب العرض و الجيش في أيام
المأمون, و كان أحمد بن أبي طاهر ينزل عنده , فأضقنا إضافة
شديدة و تعذرت علينا وجوه الحيلة, فقلت لابن أبي طاهر : هل لك في
شيء لا بأس به؟ تدعُني حتى أسجيك و أمضيّ إلى منزل المعلّى بن أيوب,
فأعلمه أنّ صديقا لي قد توفّي فآخذ منه ثمن كفن فنفقه. فقال : نعم! و جئتُ
إلى وكيل المعلّى , فعرّفتهُ خبرنا, فصار معي إلى منزلي, فتأمل ابن أبي
طاهر , ثم نقر أنفهُ فضرط , فقال لي ما هذا؟ قلتُ هذه بقية من رُوحه
كرهت نكهته, فخرجت من استه, فضحك و عرف المعلّى خبرنا, فأمر لنا بجملة
دنانير...
(4)
و مما
ينقل أبو الفضل ابن طيفور عن نفسه ما حدّث به جحظة عنه, قال
(احمد بن أبي طاهر) :
قصدتُ
سرّ من رأى, زائرا بعض كتابها بشعر مدحته به فقبلني و أحسن إليّ, و أجزل
صلتي, و وهب لي غلاما روميّا حسن الوجه, رحلتُ أريد بغداد سائرا على الظهر
... فلما سرت نحو الفرسخ, أخذتنا السماءُ بأمر عظيم من القطر, و نحن بالقرب
من دير السوسن, فقلتُ للغلام : اعدل بنا يا بني إلى هذا الدير, نقيم فيه
إلى أن يخفّ هذا المطر ففعل, وازداد القطرُ و اشتد, و جاء الليل, فقال
الراهب : أتت
(5)
العشيّة ههنا , و عندي شراب جيّد , فتبيتُ و تقصُف, و يسكن
المطر, و تجفّ الطريق و تبكّر, فقلت : أفعل. فأخرج إليّ شرابا ما رأيتُ
قطُّ أصفى منه, و لا أعطر, فقلتُ : هات مدامك, و أمرتُ بحطّ الرّحل, و بتُّ
و الغلامُ يسقيني, و الراهب نديمي, حتّى متُّ سكرا, فلما أصبحت رحلتُ, و
قلتُ :
سقى سرّ
من را و سكانها
و ديرا لسوسنها الراهب
سُــحاب
تدفق عــن رعــده
الصـفوق و بارقه الواضب
فـــقد
بتُّ في ديــــره ليـــلة
بدرٌ على غضن صاحبي
غـزالٌ
سقاني حتى الصباح
صــفراء كـالذهب الذائب
فيا ربّ
تب واعف عن مذنب
مُــــــقرّ بـــــزلّته تــــائب
(6)
معاشرته مع غيره من
الأدباء و الشعراء
مع
المبرد
حدّث
الصولي ... عن أحمد بن أبي طاهر قال :
خرجتُ
من منزل أبي الصقر, نصف النهار في تموز, فقلتُ ليس بقربي منزلٌ
أقربُ من منزل المبرد, إذ كنتُ لا أقدر أصل إلى منزلي بباب الشّام, فجئتُه,
فأدخلني إلى حُويشة له و جاء بمائدة, فأكلت معه لونين طيبين, و سقاني ماءا
باردا, و قال لي:أحدّثُك إلى أن تنام,فجعل يحدثني أحسن حديث,فحضرني لمشؤمي
و قلّة شكري بيتان, فقلتُ : قد حضرني بيتان, أنشدهما؟ فقال ذاك إليك, و هو
يظنّ أني قد مدحتُه, فأنشدته :
و يوم
كحر الشوق في صدر عاشق
على أنّه منه أحرُّ و أومدُ
ظـــللتُ بـــه عنـــد المبــــرد قـــائلا
فا زلتُ في ألفاظه أتبرّدُ
فقال لي
: قد كان يسعُك إذا لم تحمّد ألّا تذُمّ, و ما لك عندي جزاء إلّا أن
اُخرجك, و الله لا جلست عندي بعد هذا, فأخرجني, فمضيت إلى منزلي بباب
الشام, فمرضت من الحرّ الذي نالني مدّة, فعدتُ باللوم على نفسي.
(7)
و بعدهاو لعله بسبب هذا قال
في المبرد, ما حدّث به المرزباني في كتاب المقتبس, قال أحمد ابن أبي
طاهر في أبي العباس المبرد :
كـــــملت في المـــــبرد الآداب
و استُقلّت في عقله الألبابُ
غير أنّ
الفتى كما زعم الناس
دعـــــيّ مــــــصحّف كــــذابُ
(8)
مع الشاعرة فضل العبدية
أخبر
محمد بن خلف قال : حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: ألقيتُ أنا على
فضل الشاعرة :
علم
الجمال تركتني
بهواك أشهر من علم
فقالت
على البديهة :
و
أبحـــتني يـــا ســيدي
سقما يجلُّ عن السقم
و
تركتني غرضا ـ فديتك ـ
للـــــــعواذل و التــــــهم
صـــــلةُ المحبّ حـــــبيبه
اللّــــه يــــــعلمُه كــــرم
(9)
و لكنّ
أبو الفرج الاصفهاني روى رواية, روى فيها هذه الأشعار لفضل مع غير
أبي الفضل بقوله :
حدثني
عمّي قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال :
عُرضت
على المعتمد جاريةٌ تباع في خلافة المتوكل و هو يومئذ حديث السنّ, فاشتط
مولاها في السوم فلم يشترها , و خرج بها إلى ابن الأغلب, فبيعت
هناك, فلما ولي المعتمد الخلافة, سأل عن خبرها, و قد ذكرها, فأعلم
أنّها بيعت و أولدها مولاها , فقال لفضل الشاعرة قولي فيها شيئا, فقالت :
علم
الجمال تركتني
في الحبّ أشهر من علم
و
نصبتني يــامنيتي
غــــرض المـــظنّة و التهم
فـــارقتني بـعد الدنوّ
فــصرت عـــندي كـــالحُلم
فلوأن
نفسي فارقت
جســمي لفـقدك لم تُلم
ماكان
ضرّك لو وصلت
فــــخفّ عــن قـلبي الألم
بـــــرسالة تُـــــهدينها
أو زورة تـــــحت الظــــــلم
أولا
فطيفٌ في المنام
فــــلا أقـــــلّ مـــن اللـمم
صـــلةُ
لمحبُّ حــبيبهُ
اللّــــــه يـــــــعلمُه كــــرم
(10)
و قد
نسب في هذه الرواية بيت أبي الفضل الذي ألقاه ــ كما تقول رواية
محمد بن خلف ــ على فضل, إلى فضل نفسها مع تفاوت يسير في الشظز الثاني
, و البيت الثاني من جواب فضل لأبي الفضل لم ترد في رواية أبي
الفرج الاصفهاني, و البيت الثالث لفضل هو البيت الأخير لها في
رواية أبي الفرج الاصفهاني.
1ـ نصوص ضائعة بترجمة أحمد بن أبي
طاهر.
2ـ نصوص ضائعة من كتاب الوزراء و الكتاب
للجهشياري, ميخائيل عواد.
3ـ تهذيب تاريخ ابن عساكر بترجمة الحسن بن مخلد.
4 ـ ياقوت الحموي في معجم الأدباء, بترجمته, و الصفدي
في الوافي.
5 ـ لعلها : إئت بمعنى : أقم.
6ـ الحموي في معجم الأدباء, ترجمة أبي الفضل.
7ـ ياقوت الحموي بترجمة أبي الفضل.
8 ـ نفس المصدر.
9ـ الاصفهاني في الاغاني بترجمة فضل الشاعرة.
10ـ ابو الفرج الاصفهاني في ترجمة فضل الشاعرة.