رجل العلم والعمل :
توجه العلامة العسكري ومنذ أواسط العقد الثاني من
عمره نحو دراسة السيرة والتأريخ والرحلات وتنوعت مطالعاته في هذه الجوانب لتخرج عن
حدود المألوف من إهتمامات أقرانه في ذلك الوقت مما تعارفوا عليه .
فبعد دراسته لما كتبه تلاميذ آية الله الشيرازي
عن قضية التنباك وقراءة ما كتبه الغربيون في رحلاتهم إلى البلاد الإسلامية وقراءات
أخرى .
درس من خلالها تأريخ الهجمة الإستعمارية على
العالم الإسلامي وإستطاع بنباهته وذكائه أن يحدد غايات الغزو الفكري الذي إجتاح
بلادنا على حقيقتها والذي تواصل بشكل مبطن أو مكشوف حتى بعد إنتهاء السيطرة
الإستعمارية المباشرة على العالم الإسلامي.
كما أدرك خطورة محاولات الخلط المتعمد بين ما هو
أصيل في فكر الإسلام وما هو طارئ عليه من إفرازات الحضارة الغربية وإثر تلك
المحاولات المقصودة في تشويه معالم الصورة الإسلامية الناصعة في أذهان الأجيال
المتعاقبة .
وكان السيد العسكري من أوائل المفكرين الإسلاميين
في العراق الذين اكتشفوا حقيقة المناهج التربوية والتعليمية التي قررها المستشارون
الأجانب في دوائر التعليم الحكومة للناشئة في بلداننا فحدد بعد دراسة معمقة التفاوت
والبون الشاسع بين المناهج التي تدرس في المانية وفرنسا واليابان ومثيلاتها وبين
المناهج المقررة في بلادنا الخاضعة لنفوذهم وتوصل بذلك الى أحد الأسباب الحقيقية
لتخلفنا والمتمثلة بالمناهج الدراسية السائدة .. لذلك سمى مدارسنا بـ( معامل تحضير
الموظفين ) لأنها لا تخرج إلا الموظفين الذين يجلسون على الكراسي ويقولون نعم
لإجراء أهداف الأستعمار . كما تنبه سماحته إلى علاقة الحوزة بالجامعات الحديثة
وإنقطاع الصلة بين هذين القطاعين الحيويين من جسم الأمة فالحوزة منفكة على ذاتها
ولا تعني الا بتخريج علماء للدرس والتدريس والجامعات غربية في توجهاتها الإسلامية .
ولذا كان لابد من إنطلاقة تكسر الجمود وتزيل حالة
التقوقع والخمول فتحرك العسكري في سامراء والحرب الثانية تنيخ بظلالها الثقيلة على
العراق أرضاً وشعباً . وكان باكورة اعماله الثقافية تكوين حلقات للتوعية وللتدريس
وإلى جانب ذلك أسس مدرسة لتربية الناشئة خطط لها السيد بعناية ، وأراد لها أن تكون
مقدمة لمشاريع أوسع . وكان يدرس فيها أصحاب السماحة والفضيلة : الشيخ مرزا نجم
الدين الشريف العسكري والشيخ حسن الكميلي والسيد جعفر الشهرستاني والشيخ مهدي
الحكيم .
وكالعادة فقد واجه العسكري شأنه باقي المصلحين
على مر العصور معارضة من ذوي الأفكار القديمة وبعد ذلك رأى أن يدون ما يراه في
المجتمعات الإسلامية من الغزو الحضاري الغربي وخطط كيفية علاجها بتأسيس مدارس عصرية
تربي الناشئة تربية إسلامية إلى جنب تأسيس مدارس تخرج متخصصين في العلوم الإسلامية
ومؤهلين لحمل علوم الإسلام إلى المجتمع والإستفادة من نشرات دورية كذلك ولما أكمل
تدوين المخطط سماه : (( الأمراض الإجتماعية وعلاجها )) .
ثم شد الرحال إلى بغداد العاصمة ليستقر في
الكاظمية علّه يجد مجالاً أرحب يستطيع من خلاله أن يعالج بنشر الوعي الإسلامي بعضاً
من أمراض مجتمعه . فالتقى هناك بالمربي الفاضل الأستاذ أحمد أمين (( صاحب كتاب
التكامل في الإسلام )) وسلمه الكتاب وبعد مطالعته المخطط حصل التفاهم بينهما وإتفقا
على تأسيس مدرسة إبتدائية سنة 1363هـ وتصدى المرحوم أحمد أمين للمشروع والعسكري
يدفعه إلى العمل ويقف من وراءه ، فكان ان تأسست مدرسة منتدى النشر في الكاظمية التي
التحقت بجمعية منتدى النشر في النجف الأشرف تسهيلاً لحصولها على الإجازة الرسمية
ورجع العلامة العسكري إلى سامراء بعد أن اطمأن إلى تلك المدرسة .
غير أن الأستاذ أحمد أمين واجهته بعض الصعوبات
فاستعان بالعسكري الذي رجع ليستقر في الكاظمية ويدبر بنفسه مدرسة منتدى النشر ويقيم
الإحتفالات في المواسم الدينية لنشر الوعي الإسلامي . وبعد أن تكلل المشروع في
مرحلته الأولى بالنجاح صمم السيد العسكري على البدء في تنفيذ المرحلة الثانية منه
وأخذ من وزارة المعارف يومذاك إجازة تدريس معهد لتدريس العلوم الإسلامية (تخصص علوم
إسلامية) أي على غرار كلية أصول الدين التي تأسست فيما بعد .
وقد واجهت عملية التطوير عقبات هي الأخرى تمثلت
في معارضة بعض من المتسلطين في الكاظمية .
وكانت تلك الفترة مرحلة فاصلة في حياة العلامة
العسكري العلمية ، الثرية في عطاءاتها ، الغزيرة في إنتاجها .
فقد قفل راجعاً الى سامراء ودرس الفقه الأستدلالي
: أدلّة مسائل العروة الوثقى على أستاذه آية الله الاشتهاردي قريباً من سنتين
وانصرف خلالها الى جانب ذلك الى البحث والتأليف بعد أن تكاملت قدراته ووجد في نفسه
الإمكانية على كتابة تأريخ الفكر الإسلامي فقسم مخطط بحثه إلى عدة أقسام تمثل مراحل
نشوء وتكوين الدعوة الإسلامية المباركة والعصور الإسلامية التي تلتها إنتهاء بالعصر
العباسي . وكانت العقبة الشائكة التي تقف في طريق هذا الانجاز الضخم وجود أحاديث
مسلم بها عند جمهرة المسلمين إلاّ أنها لا تصمد عند التحقيق من صحتها أمام البحث
العلمي الرصين . كالأحاديث المروية عن أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة وعن إبن عباس
وأنس بن مالك وأمثالهم .
ولعل الذي تحقق كان لا نظير له حين توصل العسكري
بالدليل القاطع إكتشاف حقيقة احاديث سيف وغيره التي خرج منها ( عبد الله بن سبأ ) و
((خمسون ومائة صحابي مختلق )).
فاهتزت على أثرها حقائق تعارف عليها الناس منذ
قرون خلت توارثها الخلف عن السلف .
وتداعت صروح شيد عليها الطبري وغيره من كبار
المؤرخين وقائع واحداث جسام ما أنزال الله بها من سلطان . وكانت أول الكتب التي
طبعت لسماحته في هذا الصدد : ( عبد الله بن سبأ ) - إلى جانب كاتب ( مع الدكتور
الوردي ) صدرا سنة : 1375هـ.
ولم يترك السيد العسكري النشاط العملي رغم تفرغه
للبحث العلمي فعاود العمل من أجل تأسيس المدارس والحوزات العلمية النموذجية . ولم
يفت في عزمه الصعاب والعقبات التي واجهها في هذا السبيل . فزار لهذا الغرض إيران
واتفق مع المرجع الديني الكبير السيد آغا حسين البروجردي (قدس سره) على تشكيل (حوزة
علمية خاصة) في قم يكون المسؤول عنها السيد العسكري .
لكن زحمة الأحداث التي
تلاحقت على المسرح السياسي في إيران وتفجر الصراع بين الكاشاني وجماعته ومصدق
والحوزة العلمية في قم دفعت العسكري بالرجوع الى العراق ليستقر في الكاظمية ويشرع
بتأسيس حوزة علمية فيها والذي لم يوفق بسبب المعارضة من قبل بعض الأطراف . فانصرف
الى مشروع آخر وهو (مدرسة الإمام الكاظم ((ع)) ) التي استمرت الى ما بعد قيام ثورة
14 تموز 1958 م